العزيزية ...... سحرها بنهرها وشاطئيها وأهلها  

 يحيى غازي الأميري

فترة عصيبة ، مرعبة ، قاسية ، كئيبة ، دامية مرت على العراق وشعبه كثر فيها الموت والخراب والدمار على أيادي سلطة غاشمة نـُفـذ في عهدها مخطط تدميري شمل العراق ومن حوله ،  خدعت الشعب وضللته  بأهدافها وأخفت عنه ما تضمره له من نوايا وخفايا ، لقد استعملت كل الأساليب الماكرة في تحقيق غاياتها.

 خلال حكمها مارست الإستبداد والقمع والظلم والإضطهاد ، بدل الديمقراطية والحرية والتسامح والسلام !  فنشرت وغذت العنف والسلب والنهب والتهريب والكذب والنفاق والشقاق  والتخلف  والعنصرية و الحرب والموت والإرهاب بدل الأمان والعمران والمحبة والصدق والكرم والأنسانية والأخلاص والاخوة والألفة .

 بددت ثروات البلد وخيراته بزج الوطن وأبناءه في متاهات وحروب مدمرة ، شاركتها وشجعتها ودعمتها قوى عربية واقليمية ودولية عديدة في ادامة حكمها وإستبدادها وشاركتها في نهب خيرات البلد ،  وأخرها فرض حصار جائر إقتصادي ثقافي إجتماعي على الشعب لتزيد من محنته ومعاناته ونكباته ...... وبعد رحيلها لم تزل شواخص اجرامها وتدميرها ماثلة للعيان ، يحصد نتائجها الشعب الموت والتخلف و الجهل والفقر و فتك الامراض ، ويعم الوطن الدمار والخراب وفقدان الأمن و إنتشار الإرهاب و تسلط الاحتلال ومقابر جماعية في كل مكان ، وبرزت للساحة بأعداد كبيرة عصابات ومافيات وهي تجوب البلاد تنهب الدولارات والخيرات وتوزع الموت المخدرات !

 لقد طالت كل مدن بلادي هذه الأيادي  خلال  فترة سطوتها  ، أن أعمالها الإجرامية الفادحة بحق العراق وشعبه لا يمكن نسيانها بسهولة .......... لكن هل نبقى على هذه الحالة التي أوصلونا اليها  ؟؟؟ هذا كل مبتغاهم ؟؟؟

 أذن لنترك اليأس والركود ولنأخذ من هذه الصفحة المؤلمة من تأريخ العراق الدروس والعبر  ....  ولنبدأ بصفحة مشرقة جديدة ولننهض بمدننا من خلال حبنا لها وحقها علينا !!

  سأتحدث عن مدينة  هي ككل مدن العراق الجميل التي تغمرها الطيبة والحب والخير... لكنها الأجمل بنظري لما تحمل لي من ذكريات عشتها فيها لفترة طويلة من الزمن .

 هي مدينة العزيزية ( قضاء العزيزية / محافظة واسط ) تقع جنوب شرق مدينة بغداد بحوالي 88 كم بمحاذات نهر دجلة ، موقعها وسط العراق مابين مدينتي ( بغداد والكوت ) ، تقع على الطريق الرئيسي  الذي يربط العاصمة بغداد بالجنوب العراقي . ينحصر مركز المدينة بين الشارع الرئيسي للطريق الدولي من جهة الشرق ونهر دجلة من جهة الغرب . في الجهة الأخرى من نهر دجلة المقابلة للمدينة تقع( قصبة برينج ) والتي يربطها بالعزيزية جسر عائم قديم مستهلك ،    و( قصبة برينج ) منطقة زراعية كثيرة البساتين .

مدينة العزيزية ( تأريخية )   قديمة المنشأ تتبع لها مجموعة كبيرة من القصبات وهي مركزها التجاري والاداري ، وهي  منطقة  زراعية اراضيها منبسطة خصبة وافرة المياه ، متوسطة العمران ، قليلة المصانع والمعامل والمنشأت الحكومية الصناعية والزراعية .

قبل أن ينشىء الشارع الرئيسي ( الطريق الدولي ) الذي يربط العاصمة بالجنوب العراقي كانت جميع وسائط النقل البري ( السيارات الصغيرة والكبيرة والشاحنات ) تمر داخل شارع  المدينة في ذهابها وايابها وفي أغلب الأحيان تتوقف امام أحد المطاعم أو المقاهي لغرض الاستراحة وتناول الطعام والشاي والمرطبات  ، وبعد أفتتاح الطريق الدولي أنتقلت حركتها عبر ذلك الطريق ، والذي أنتشرت على جانبيه المطاعم والكازينوات السياحية الجميلة الفارهه والتي سمح فيها  ببيع وتناول المشروبات الكحولية بالاضافة للاطعمة والمرطبات .

 ولموقعها على نهر دجلة أهمية كبيرة منذ زمن قديم عندما كانت الطرق المائية واسطة فعالة لنقل البضائع وتنقلات الناس ، ولزمن قريب حتى نهاية الستينات من القرن الماضي كانت ناقلات البضائع ( الدوب ) تمخر بمياه دجلتها بأمان وسلام ،وتزود وتتزود بالوقود من مستودع أنشىء على مقربة من ضفة النهر بالقرب من مكتب بريد المدينة القديم مقابل السوق العصري  (سوق الفواكه والخضار ) .

تحيط بالمدينة العديد من بقايا المواقع الأثرية القديمة وتسمى بين الناس ( اليشانات) ، اهمها جنوب المدينة موقع ( تل الضباعي ) وبقاياه عبارة عن تل كبير( ايشان) يقع على جانبي الشارع العام ( الدولي ) وهو من الأثار الموغلة  في القدم ، وفي منطقة الجزيرة المتاخمة لحدود المدينة من جهة الشرق ( يوجد بقايا نواظم سدة النهروان ) وهو من بقايا أثار الدولة العباسية ، والموقع يعاني من الأهمال والتخريب وعدم الصيانة . في السنوات الأخيرة انجز أحد المشاريع الأروائية الزراعية المهمة وغرضه أحياء أراضي جزيرة النهروان الزراعية  المهجورة منذ حوالي ألف عام .

 وعلى مقربة من المدينة يوجد مرقد أحد الأولياء الصالحين ( مرقد السيد تاج الدين ) ويسمى بين الناس ( التاج ) والذي يعود نسبه الى الإمام علي بن أبي طالب ، يقع المرقد جنوب ناحية الحفرية ، خلف بستان الدفتري يزوره العديد من أهالي المنطقة والمناطق المجاورة  في الأعياد و المناسبات الدينية ، وتقام مظاهر الاحتفالات المبهجة خصوصا ً في الأعياد .

 وفي طرف المدينة الجنوبي الشرقي يقع تل صغير مخلفات لمعمل طابوق ( كورة ) أطلق  أهالي المدينة على المكان إسم    ( العلوية) لكونه يضم مرقد لطفلة صغيرة دفنت هناك وقد أعتاد أهالي المدينة على دفن موتاهم من الأطفال الصغار في السن ( حديثي الولادة ) فيه .   

 وسط المدينة يقع السوق العصري ( السوق المسكف ) وهو السوق الرئيسي لبيع الفواكه والخضار، وفي مدخل السوق تفترش( المعيديات ) بائعات القيمر واللبن الرائب بضائعهن اللذيذة ، وتحيط فيه مجموعة كبيرة من الأسواق كسوق القصابين وبائعي السمك والدجاج وغيرها ، السوق تعج فيه الحركة ويعلو فيه صياح الباعة للتدليل والترغيب على بضائعهم المعروضة . ظهرت في الفترة القريبة  مجموعة أسواق لبيع العدد والمعدات والأدوات المستعملة وبسطيات لبيع السكائر بسبب كثرة البطالة وحاجة الناس للعمل والحصول على لقمة العيش ! وهنالك ايضا َ فتحت مجمعات لاسواق متخصصة بتصليح السيارات والمكائن وبيع لوازمها .

 في وسط المدينة  جامح كبير ذو مأذنه عالية يقع مقابل( للسوق العصري) وهو يعود للمسلمين الشيعة وقد بنى مأذنته أحد المحسنين ( المرحوم حسين خليفة ) وعلى بعد حوالي 100 متر وعلى نفس جانب الشارع يقع جامع للمسلمين السنة وهو ايضا ً ذو مأذنه عالية .

 كذلك توجد في المدينة عدة دور عبادة إسلامية شيعية ( حسينيات ) وأكبرها واقدمها تقع في وسط المدينة وفيها مكتبة عامرة تحتوي على العديد من الكتب والمؤلفات الدينية ، ومن هذه الحسينية كانت تنطلق مواكب العزاء الحسينة في مناسبة عاشوراء ، والتي كان يشرف عليها ويقود مسيرتها وهي تجوب شوارع المدينة( الحاج عباس) وذلك خلال عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي ، الذي رجع يقودها مرة ثانية ، بعد عودتها مجدادا أثر سقوط النظام !  ، و كانت أيام عاشوراء ذات طابع خاص في المدينة ، فكان يقام في فترة( عشرة محرم ) يوميا ً مجلس عزاء يقوم بالتحدث فيه رجل دين يأتي للمدينة خصيصا ً لهذه الأيام وكان يتم التعاقد معه بواسطة وجهاء المدينة من المهتمين بهذه الشعائر ، قبل فترة من بداية عاشوراء و يكون( رجل دين ) أما من مدينة النجف أو كربلاء ، وذلك ( في المساء بعد العشاء ) كان يحتشد الناس أمام الجامع  بأعداد غفيرة ( رجال ونساء ) للأستماع لخطبة القارىء ( رجل الدين ) وهو يعتلي منبره الذي ينصب أمام باب الجامع ،  وبعد الأنهاء من الخطبة الحسينية ، يعتلي المنبر من بعده أحد القراء الحسينيين من أبناء المدينة بقراءة بعض القصائد الحسينية ، وكان المرحوم عبد الجبار العطار ( أبو زينب ) من الأصوات الشجية الجميلة التي لاتنسى!! أو يكلف قراء أخرين من الشباب أنذاك وكانت أصواتهم شجية ايضا ً مثل العزيزين( صادق قادر وكاظم مير ) .

 في اليوم العاشر من عشرة عاشوراء كانت تقام التشابيه لواقعة كربلاء ( المقتل ) ، لم تحصل خلال كل سنين الاحتفالات أي مظاهر عنف أو حادث يعكر جو المدينة في هذه المناسبة.

 غالبية سكان المدينة وقصباتها من المسلمين الشيعة أما السنة في المدينة فعددهم قليل وهم متعايشون مع الأغلبية الشيعية التي تقطن المدينة بشكل جيد جدا ً وتسود علاقاتهم الألفة والود وفيما بينهم كثير من الزيجات ، ويسكن  في مركز المدينة عدة عوائل من( الصابئة المدائيين) إذ استوطنتها بعض العوائل المندائية منذ ثلاثينيات و أربعينيات القرن الماضي  ، معظم سكان القضاء وتوابعه من العرب وهنالك اعداد أخرى من( الكرد و الكرد الفيليين وبعض العوائل التركمانية وهؤلاء جميعهم يسكنون في مركزالمدينة ) .

من الأماكن الجميلة في المدينة ( نادي الموظفين ) لقد شهد المكان على مدى عدة عقود خلت العديد من الأنشطة الثقافية والسياسية ، فقد كان ملتقى لمعظم مثقفي وسياسي المدينة وزوارها ، وجرى على قاعته وحدائقه الزاهية بتنوع  ورودها وجمال هندستها ونظارة مروجها الخضراء العديد من الأمسيات واللقاءات والنشاطات والأجتماعات الثقافية والأجتماعية والسياسية .

تم تشيد ( نادي الموظفين ) وكذلك العديد من الأبنية الحكومية  في زمن مدير ناحية العزيزية ( الأستاذ المحامي مهدي الحمداني ) خلال فترة حكومة الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم ، يذكر أهالي المدينة مدير ناحيتهم الحمداني بكل أعتزاز وتقدير ومحبه ، فقد ساهم في بناء المدينة بصدق واخلاص وأمانه ، ومهدي الحمداني (أبو بشرى ) زوج أبنة حامد قاسم أخ الزعيم عبد الكريم قاسم !! وفي الأيام الأولى ل( انقلاب 8 شباط 1963 ) حافظ أهالى المدينة على سلامة مدير ناحيتهم على مدى عدة أيام وأوصلوه بسلام وأمان الى المكان الذي طلبه رغم الحاح الانقلابيين على إعتقاله .

  وقد قرأت قبل أيام مقالة ( منشورة  في العديد من مواقع الإنترنيت العراقية )  للأستاذ ( جاسم الحلوائي ) الموسومة ( ذكريات سنتان مختفيا في الكوت 2ــ 4) فيها شيء عن العزيزية ومدير ناحيتها انذاك( الأستاذ مهدي الحمداني ) وكيفية إعتقاله لمجموعة من الشيوعيين من أهالي المدينة عام 1961 اثر تقديم مذكره موقعة من قبل(222) مواطن من أهالي العزيزية الى رئيس الوزراء( عبد الكريم قاسم ) تتضمن مطاليب أبناء المدينة لتحسيين أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية و مطاليب سياسية عامة ، ويذكر الأستاذ جاسم الحلوائي في مقالتة (( وقد تبين لاحقا ان جميع المذكرات احيلت الى الوحدات الادارية المعنية، من قبل رئاسة الوزراء، للنظر في المطالب المحلية. ولم يكن رد فعل الوحدات الادارية في الكوت على هذه الفعالية عدائيا، عدى ادارة ناحية العزيزية، حيث كان مدير ناحيتها آنئذ المدعو مهدي الحمداني، الملقب ابو بشرى ،إستدعى كل الموقعين على المذكرة ( نساء ورجالا ) الى مركز الشرطة واعتبر العمل من تدبير الشيوعيين ويمثل تحديا لسلطته. وعندما وصل الامر الى هذا الحد ذهب فيصل حبيب، مسؤول المنظمة، الى مركز الناحية وابلغ مدير الناحية بانه المسؤول عن كتابة المذكرة وجمع التواقيع عليها. وعلى إثر ذلك تم اطلاق سراح الموقعين عدا فيصل وثلاثة اخرين هم: صالح عليوي ويحيى اسماعيل وجبار ألوس . وقد زجوا في موقف الكوت، و أطلق سراحهم بعد شهرين بناء على عفو عام عن السجناء والموقوفين السياسين اصدره عبد الكريم قاسم. ))

   جميع سكان المدينة والقصبات التابعة لها يتحدثون اللغة العربية بلهجة واضحة تغلب عليها الفصاحة ، ولو أنهم  يلفظون بعض الكلمات بلكنه خاصه ، وفي المدينة بعض من يتحدثون فيما بينهم بلغة خاصة بهم ومعظمهم يرجعون من أهالي منطقة (جيزان) أو ناحية قزانية  التابعة الى محافظة ديالى ) المتاخمة إلى مدينة العزيزية من جهة الشرق ، والتي غالبا ً ما يذهب أليها  كثير من أهالي العزيزية لزيارة مرقد أحد الأتقياء وهو مرقد ( كرز الدين ) والذي يرجع نسبه إلى الإمام جعفر بن أبي طالب .

يغلب على ملابسهم الزي العربي ( الكوفية والعقال و الدشداشة والعباءة العربية الرجالية ، أو الملابس الحديثة القميص والبنطلون ) ، النساء يلبسن العباءة النسائية العراقية ( العباءه السوداء ) فوق ملابسهن وهنالك قسم من نساء المدينة سافرات أو يلبسن اللباس الإسلامي و الحجاب غالبية سكان القضاء يتشابهون بممارستهم نفس العادات والتقاليد في الأفراح والمآتم  تقريبا ً .

خلال تلك الفترة ( أي خلال عقدي الستينات والسبعينات ) كان الوضع الثقافي والسياسي في المدينة يسير بخط تصاعدي في تطوره ، فنسبة المتعلمين أخذت تتزايد والراغبين في الأستمرارفي التحصيل الدراسي ودخول الجامعات باتت تشكل أعداد غفيرة متزايدة سنة بعد أخرى ، وهذا التطور شمل المرأه أيضا ً .

كانت هنالك العديد من التجمعات السياسية ( كالأحزاب أو المنظمات الجماهيرية المهنية ) مثل الحزب الشيوعي العراقي  ، حزب الدعوة الإسلامية  ، الحزب الديمقراطي الكردستاني ، وأتحاد الشبيبة الديمقراطي ، وأتحاد الطلبة العام ، وأتحاد طلبة كردستان، وكانت توجد أيضا ً تجمعات لأفكار قومية ناصرية وبعثيين يساريين ( جماعة سورية ) وكذلك قوى دينية تطرح أفكارها وتناقش فيها ، بالأضافة الى شخصيات مستقلة علمانية أو دينية. خلال هذه الفترة كانت العديد من الصحف والمجلات والكتب متداولة بين مثقفي المدينة وكان أهتمام  الناس وأقبالها على الأنفتاح الثقافي والسياسي كبير جدا ً، وخلال تلك الفترة نشطت حركة المسرح والأدب وقد اقيمت عدة نشاطات ومهرجانات ثقافية وخطابية ومسرحية ومعارض للرسم والفنون اليدوية الأخرى وكذلك نشطت الحركة الرياضية بمختلف ألعابها رغم أفتقار المدينة الى بناية لملعب رياضي .

 لقد أنتهت كل هذه التجمعات ومناصريها ونشاطاتها من الساحة السياسية والثقافية منذ عام 1978 والسنوات التي تلتها إذ ضربت ضربات قاتلة وبهجمات شرسة من قبل السلطة الحاكمة . وبعدها بفترة قصيرة دخلت المدينة وأهلها في أتون حرب ضروس اسوة و بقية مدن الوطن وشعبه رغما ً عنهم جميعا ً ، تاركين المعرفة والبناء ذاهبين الى الموت والدمار تحت تهديد السياط والحراب !!!! 

  رغم قرب المدينة من مركز العاصمة وموقعها الممتاز  على الطريق الدولي لكن يد الحكومات السابقة  لم تشملها بالبناء والعمران مثل بقية المدن التي تبعد نفس المسافة أو أكثر عن (العاصمة بغداد ) لعديد من الأسباب لست بصدد طرحها الأن !! عدى معمل هنا أو مشروع هناك  كمعمل( عرق السوس ) وهو معمل يضم عددا ً قليلا ً من العاملين ،  والذي أقيم بسبب  توفر هذا النبات بشكل طبيعي في المنطقة ، ولم أعرف الان هل لازال المعمل ملك للدولة أم تم بيعه كغيره من منشأة العراق !

   وكذلك  كان يوجد فيها( محطة الوحدة الميكانيكية) والتي كانت تحتوي على العديد من المكائن الزراعية الثقيلة والجرارات والحاصدات الزراعية ومعمل لغرض ادامتها ، وقد كانت توفر خدماتها للعديد من المناطق الزراعية المجاورة لحدود قضاء العزيزية ، لكن هذه المحطة تم تصفيتها وبيع ممتلكاتها وتسريح العاملين فيها .

 خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية 1980ــ 1988 وحرب الخليج الثانية 1990ـــ1991 كانت العزيزية تعج بحركة القطعات العسكرية وأرتالها المحملة بآلاف الجنود المدججين بالسلاح وكذلك أرتال ناقلات الدبابات ، وكذلك كانت مسرح لحركة الطيران الحربي الذي يجوب أجوائها لعدة ساعات في اليوم ، وقد تعرضت مخازن( مستودعات ) الوقود التي تقع جنوب البلدة عدة مرات الى قصف جوي وفي حرب الخليج الثانية دمر جزء كبير من تلك المستودعات .

وبدل من أنشاء معمل أو مصنع فيه خير أو فائدة للمدينة وأهلها أنشىء فيها معمل ( عسكري ) ضخم لتصليح الآليات العسكرية خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية !

كان دوي القنابل يسمع في المدينة ( وخصوصا ً في الليل )  عندما تدور المعارك وتتبادل الهجمات على جبهات القتال في المناطق المتاخمة لحدودها من جهة بدرة وجصان وزرباطية ومندلي !!

  لقد جند معظم شباب العراق( ومن ضمنها المدينة طبعا ً ) لتلك الحروب الظالمة اذ بلغ عدد المواليد التي فرض عليها الالتحاق للجيش (لغرض اداء الخدمة الالزامية او الاحتياط  حوالي 25 مواليد ) ولم يسلم حتى كبار السن والمعفيين لأسباب صحية من الخدمة العسكرية ، اذ كان الجيش الشعبي لهم في كل مكان وزمان ، حتى العاجزين عن حمل السلاح جندهم الجيش الشعبي لحراسة مقراته والمقرات الحزبية .

    مدينتي الجميلة المثخنة بالجراح والآلام والخراب .... لها حق علي ّ أن اسلط الضوء عليها وأنفض عنها شيء من تراكم وخراب النظام السابق  الذي جثم على صدرها لعقود من الزمن ..

 تدفعني رغبة كبيرة لفكرة تلازمني منذ مدة من الزمن ، هي كتابة شيء موثق عنها ، أشياء وأشياء عديدة نقشت في ذاكرتي أود تسطيرها حتى لا تمحى من الذاكرة ، أن طال الزمن وتقادمت الأيام .

 العزيزية ..... مدينة تلتصق بالنهر كطفل رضيع ، يغفو بخدر ٍعلى صدر أمه ، مدينة تنعم بالهدوء ، مسالمة ، تعبق بعطر وشذى حقولها وبساتينها ، ووداعة نهرها وطيب ساكنيها .

 ترضع من خير دجلة الحب والحنان والطيب والأمان ..... لسحر شاطئيها فتنة للنظر ، وبهجة للنفس ، تطرب النفوس لعذوبة هوائها ، وفسيح سمائها ، وصديح طيورها ، زقزقة عصافيرها تملأ كل بيت ما أن يحل سكون مسائها..... أراضيها خصبة ، خيراتها كثيرة متنوعة ، مياهها عذبة غزيرة وافرة .

 أكتب عنك وكلي شوق ولهفة اليك.... في كل ساعة يأخذني الحلم لأيام جميلة  لعبق ذكراها غير ناس ٍ ، لا زال ذكراها يتقد بالوجدان .

  أتذكر أيام الصبابة والشباب وخير ما سطرت ُ من أحلامي ، أيام جمعتني بأجمل وأعز الأحبة والأصدقاء والخلان ، فأستعيد ذكراها فتغمرني وتأسرني بقيودها الجميلة ، فأنتشي بها مختالا ً متذكرا ً كل الأماني !!!

 الله أتذكر النقاشات الجميلة الرزينة الهادئة ، مقاهيها الكثيرة ، نشاطاتها الثقافية والسياسية  ، أسواقها ، جيراننا ، طيبة ناسها وتكاتفهم في السراء والضراء ، سفرات أصدقائي وجلسات السمر والبهجة ، طرائف الأصدقاء وهمومهم ، تطلعاتنا ومشارعنا الى المستقبل ، التمشي على سدتها ، تحيات الأصدقاء والمعارف في كل مكان يصادفونك فيه ، محل صياغة والدي ( رحمه الله ) والأبتسامة لاتفارقه ، وهو منكب لتطويع السبائك الذهبية أوالفضية تحت ضربات مطرقته المتتالية والمتناهية في دقتها ، ( كأنك تسمع إيقاعات موسيقية وأنت تصغي اليها ) وهو يضعها  على سندان حديدي ثبت أمامه ، ليحولها بعد حين من الزمن الى أشكال متنوعة من المصيوغات الفنية الجميلة ، فقد كان بالأضافة الى ورعه و دماثة خلقه ، حرفي من الطراز الاول ، يتقن مهنته ويحبها ، لقد صنعت يداه الآف من قطع الحلي الجميلة لأهالي المدينة وضواحيها .  كان محله يتوسط  سوق المدينة ، يجاوره محل متخصص بنجارة وبيع المعدات والعدد الخاصة بالفلاحة ل( طيب الذكر الحاج المرحوم عبد السادة القره غولي )( أبو الحر) ومثال هذه العُدد  ( المرواح والدوسه والربد والأوتاد الخشبية بالأضافة الى بيعه الكرك والفأس والمسحاة ... ) ، لقد حزن وبكى كثيرا ًعند وفاة والدي في خريف 1987 إذ كانت تربطهم علاقة صداقة حمييمة ، وكان جارهم الأخر (المرحوم حمزة ) يتقن عدة مهن فهو ميكانيكي ولحام وحداد !

 مئات من أسماء الأصدقاء الأعزاء أحملها بكل ود وحنان بين طيات مخيلتي وقلبي ، من غادرنا منهم مبكرين بأستشهادهم في سبيل العراق والحرية ومن فتكت بهم ماكنة الدمار وأفانينها  وأودت بحياتهم وهم في عز شبابهم ، أو الذين أجبرتم الظروف القاسية على ترك الوطن والأهل الى الغربة والتغرب ، أو من بقى منهم يصارع قساوة وأهوال الحصول على لقمة العيش الشريف له ولعائلته ومايحيط  به من مأسي تفوق التخيل والحسبان .

 مدينتي الحبيبة :

 هل لا زلت صامدة أمام هول وهيجان هذا الأعصار ؟

هل أوجعك كثرة الموت لأبنائك الشهداء الأحبه وهم في عنفوان شبابهم ، بمختلف الأشكال والأنواع من وسائل الموت والقتل التي أخترعت وأبتكرت ، من تصفيات سياسية وحروب داخلية أوخارجية مع بلدان الجوار أو من جرائها فكم من أم أو اب أو زوجة أو أخ مات من القهر والهم والحزن على  موت عزيز لهم ، أو مات من طول الصبر بعد أن يأس من عودته .  

 هل أحزنك تشريد الآف من أبنائك في شتى بقاع الأرض بعد أن كنت مأوى وملاذا ً أمنا ً للجميع ، فكم من عائلة جاءت طلبا ً للرزق والعيش الكريم ووجدت فيك خير عون وصديق وكم من مستجير من الظلم وقساوته دخلك وفتحتِ له قلبك  وذراعيك كمحب ومجير !!

 أكيدا ً ... أكيد أحزنك خراب شوارعك أزالة أشجارك وتهدم العديد من معالمك القديمة الجميلة وخراب مدرجات سدتك الجميلة ، وأهمال شوارعك الداخلية وكثرة حفرها  ،اتلاف محتويات مكتبتك العامة ، خراب حدائق شارعك العتيق وأندثار ناديك الجميل !

  نعم مدينتي الحبيبة أعرف يثقل جفنيك صراخ المعوزين ، وتنهدات المحرومين وكثرة المظلومين ، وتوجع الثكالى ، ودموع اليتامى ، وآهات الأرامل ونشيج المفجوعين ...... طال صبرك والحزن والأسى يلفه .... لايريد ان يفارقه !!

أعرف أنك تعانين منذ سنين عديدة من اهمال متعمد حيث  الحفر وبرك المياه الآسنة  تملء شوارعك مع أكوام الأزبال التي انتشرت في كل مكان، أوحال الشتاء  ، وقلة  الخدمات العامة  ، الماء الصافي شحيح ، الكهرباء توزع لساعات قليلة ، أزمات الوقود تشغل بال الجميع ، البطالة منتشرة بين صفوف ابنائك القادرين على العمل والعطاء ، أعرف ذلك  !!

 وقد اخبرني بعض أصدقائي من ثقاة المدينة .... الأن ما أن ينبلج الصباح حتى تبدأ اسراب الذباب في هجومها  الكاسح على المدينة ، وما ان يحل المساء حتى ينسحب الذباب تاركا ً المجال لموجات البعوض وطنينها ولنقيق الضفادع من مستنقعاتها ، أهملت الناس هندامها وكثرت همومها ،  وقد بان التعب والإجهاد يعلو وجوهها ، أبنيتها الحكومية كثر تأكلها وبيوتها القديمة باتت أكثر تداعيا ً وتهدما ً .

أكثر من عامين ونصف مضت على أنهيار السلطة الغاشمة ولم يزل الفقر والأهمال والبطالة وقلة الخدمات وكثرة الأزمات تسيطر على جو المدينة وتشغل بال أهلها ، المبررات كثيرة والوعود بتحسين الوضع القائم ينتظرها الناس بفارغ الصبر وبكثير من التوجس والحيرة والحسرة ...الزمن يمضي والعمر معه ، وثقل الأزمات أثقل المدينة واهلها !!

 مدينتي العزيزة : بالله عليك لا تتركي لليأس والحزن نفسك فرغم ما حل بك وبأبنائك من موت وخراب .... فجمالك لازال يسحر الألباب ويطرب النفوس !!

 لا تيأسي فدجلة كثير الكرم ، يطيب العيش والسكن بجواره ، سماؤك واسعة صافية  وشموسك مشرقة ونجومك ساطعة،  وعزيمة أبنائك قد أصبحت أقوى ساعدا ً واشد مراسا ً ، أني أتوسم فيهم الخير كله .

 حثي أولادك علىالنهوض من السبات ، جددي ربيعك ، أمنحي بركتك لأبنائك الذين يحبونك ، ألتفي حول  أولادك النجباء الذين أتعبهم الهم والدمار والظلم والحروب ، عودي إلى صباحاتك الجميلة المشرقة ، ولياليك الهادئة  الهانئة المقمرة الصافية .....عودي للعمران والبناء و التطلع للمعرفة والعلم والمحبة ، عودي إلى الألفة الإجتماعية والتعاون والأحترام  والعلاقات الإنسانية النبيلة التي تربينا عليها وعشنا بمودتها وبنينا عليها أمانينا وأمالنا وتطلعاتنا .

  تعمدي بماء دجلة فهو خير من يزيل الأوساخ والأدران التي حاول المتسلطون زرعها بجسدك الطيب المعطاء .... تقيئي السم الذي غرزوه في جسدك والذي خدرك كل هذه السنين !!!

مدينتتي الحبيبة واهلها الطيبين :

  نحن الأن  في زمن جديد يحل على العراق ..... نحن في بداية القرن الحادي والعشرين......يجب أن نواكب التقدم الحضاري الحاصل في كل أرجاء المعمورة ...... نحن في زمن  ثورة المعلومات ( الإنترنيت ) و زمن الآف المحطات الفضائية التي تبث برامجها على مدار الساعة  لقد ولوا مدبرين من منعوها عليكم  ، الأن صوتكم  وأقتراحتكم ومطالبتكم في حقوقكم المشروعة المهضومة تصل خلال لحظات لكل أرجاء الدنيا .

  

 يحيى غازي الأميري

السويد/ مالمو في تشرين الأول 2005