حديث عن الترجمة
د. علي عبد الأمير صالح
الترجمة
نشاط إنساني لاغنى عنه.. ففي هذا العالم تعددية لغوية وثقافية ضخمة،
وفي كل لغة من اللغات الكثيرة الموجودة في العالم ثروات أدبية وفكرية
وعلمية لمتكلمي اللغات الأخرى مصلحة في أن يطلعوا عليها ويستفيدوا
منها ، وهذا يحتم ظهور نشاطات ترجمية بين اللغات المختلفة،لأن
الترجمة هي القناة الرئيسة للتواصل والتبادل الثقافي بين الشعوب ،
وبدونها لا يتم تواصل ثقافي ذو شأن ، فالبديل الوحيد للترجمة هو
إكتساب اللغات الأجنبية الرئيسة في العالم..
ومما لا شك فيه إن كل تخلف أو تقاعس على صعيد الترجمة
يعني بالضرورة تأخراً أو تقاعسا ً على صعيد التواصل الثقافي ، يؤدي
إلى حرمان المجتمع المتقاعس مــن فرص الإطلاع على الثقافات الأخرى
والإستفادة منها في إغناء ثقافته وتطويرها ، وتكون النتيجة الحتمية
لذلك تأخر الثقافة التي يتقاعس أهلها في مضمار الترجمة وتخلفهم عن
ركب الثقافة العالمي.. ولئن كانت عواقب العزلة الثقافية سيئة في
العهود التاريخية القديمة ، فإن تلك العواقب قد أصبحت خطيرة ً في هذا
العصر الذي يتغير فيه العــالم الى (( قرية كونية)) ..
هل الترجمة وليدة حاجة ماسة ؟ يمكن الإجابة عن ذلك
بنعم ولا في آن واحد فالبشر تواقون إلى المشاركة في المتعة والفكر
والإشراق التي يحتويها كتاب بلغة لا يصلها الآخرون .. فلنتصور حال
الحداثة لو لم تتوفر كتب كيركغارد الا باللغة الدينماركية، ولو
اقتصرت كتب ابسن على من يحسن اللغة النرويجية ولو بقي ماركس وفرويد
حبيسي اللغة الألمانية .. والشيء نفسه يمكن أن يقال حول مؤلفات
شكسبير ، وتولستوي وغابرييل ماركيز وسرفانتس ومئات غيرهم من المؤلفين
كتابا ً وشعراء ومسرحيين ومفكرين وفلاسفة وعلماء إقتصاد وسياسة
وقانون وأنثروبولوجيا ونقادا ً وعلماء إتصالات وفيزياء وكيمياء
…
الخ.
وكثيرا ً ما يلجأ كبار الكتاب الى الترجمة للتعبير عن
آرائهم أو إيضاحها للشعوب الأخرى كما في ترجمة بوب لهوميروس، وترجمة
بودلير لبو وترجمة بروست لأعمال راسكين.. كما يمكن إستغلال الترجمة
في التعبير غير المباشر عن مشاعر وآراء ليس بإمكان المترجم أن يفصح
عنها جهارا ً بإسمه في ظرف معين بسبب الرقابة على النشر كما حدث في
ترجمة باسترناك لمسرحيات شكسبير ..ومن خلال الترجمة يمكن للكاتب أن
يوصل للناس ما هو موجود فعلاً من دون أن يلاحظ عليهم ذلك ، ومثال ذلك
الترجمات التي قام بها داريدن عن اللاتينية وترجمات ريلكه المتنوعة
عن الفرنسية والإيطالية والإسبانية والإنجليزية .
إن مهمة المترجم أبعد ما تكون عن إحلال لغة محل أخرى
.. إنه بفضل ما يتمتع به من موهبة أدبية ، يقوم بتفسير هذه العناصر
في ضوء الظرف الجديد وتحويلها إلى نص مولد . على النص الجديد أن يكون
مقابلاً
equivalent
للنص الأصلي وليس نسخة طبق الأصل منه.
إن المراحل التي تمر بها عملية الترجمة هي ذات
المراحل التي يمر بها العمل الأدبي الأصلي . وبعبارة أخرى ، إن النص
الدبي المترجم هو نص أدبي جديد . إن مترجم النص الأدبي شبيه بمبدع
النص الأصلي لأن كليهما يرمي إلى تحويل الـ
genotext
إلى
phenotext
. الإ أن هناك بعض الإختلاف بينهما ، والإختلاف هذا يكمن في كون
المترجم لايتمتع بحرية إختيار عناصر الـ
genotext
كما هي الحال بالنسبة للكاتب الأصلي. وكذلك إنه ملزم بإحترام العناصر
التي إختارها الكاتب الأصلي ، والأكثر مـن ذلك ، لا يسمح له بترك
بصماته الذاتية على العمل الذي يقوم بترجمته . فمهمة المترجم الرئيسة
هي أن يكون ناطقا ً أمينا ً بلسان الكاتب الأصلي. بإختصار يختلف
المترجم الأدبي
عن الكاتب من حيث أنه يتعامل مع مادة محددة وبطريقة مجددة ، إلا أنه
يلتقي مع الثاني من حيث أن الإثنين يجب أن يتحليا بالموهبـــــة. إذا
ما أراد المترجم أن يوصل صوت الكاتب وأفكاره بصورة أمينة فعليه أن
يتقمص شخصية ذلك الكاتب، لا بل عليه أن يعرف الكثير عن عصر الكاتب.
الترجمة الجيدة هي نوع من التقمص والمترجم الجيد هو
ذلك الإنسان القادر على تقمص وتجسيد أفكار الكاتب .. إن دور المترجم
لا يختلف عن دور الناقد فكلاهما مطالب بإماطة اللثام عما نسي من
أعمال أدبية وكلاهما مطالب ببناء جسور الإتصال بين الكاتب
والقــــــــارئ..
وفي هذا الشأن أود أن أقول انني لم ابدأ بترجمة ((طبل
من صفيح)) الا بعد أن عرفت وقرأت الكثير عن مؤلفها الشاعر والرسام
والمسرحي ومصمم ديكور المسرح الألماني غونتز غراس.. وكنـــت واثقا ً
من أن هذه الرواية ملحمة أدبية ، وواحدة من الإنجازات الأدبية المهمة
في النصف الثاني من القرن العشرين..نعم، كانت هذه الرواية في طي
النسيان ، إلا انني شرعت بترجمتها في ربيع عام 1996 وانتهيت منها في
نيسان 1997 ، أي قبل فوز الكاتب بجائزة نوبل بعامين ونصف تقريبا ً..
إلا أن نشرها تأخر ثلاث سنوات لأسباب شتى.
وفي إعتقادي إذا أردنا للنص المترجم أن يكون أدبيا ً
فعليه أن يتضمن قيما ً أدبيةً موازيةً للنص الأصلي.. وعليه يكون من
الضروري لمترجم النصوص الأدبية أن يكون أديبا ً . إن تمكن المترجم من
لغتين ، مع إحترامنا لهذا التمكن ، لا يساعده على الإتيان بترجمة
أدبية اذا اراد المترجم لترجمته أن تكون أدبية ، فعليه أن يبدع شيئا
ً يقرأ كأدب وبالتالي يمكن ان يضاف الى تراث أمته الأدبي.
وكلما تقدم العمل بالمترجم تزداد لديه القناعة بأن كل
المفردات تحمل في طياتها معان ٍ فنية دقيقة ترتبط بحضارة الشعب الذي
يستعملها وليس لها ما يرادفها في أي لغة اخرى.. ولربما كان ذلك هو
السبب في أن مهمة المترجم سرعان ما تتحول الى عملية بحث واستقصاء
وليست مجرد محاولة لإصطياد معاني الكلمات . ومثال ذلك انني عندما
بحثت عن معنى كلمة (Raft)
في قاموس (المورد) الأثير وجدت انها تعني الطوف أو الرمث.. وادركت
على الفور إن ما مقصود بالرمث هو ما يسميه العراقيون الكلك أو الجلج..
وكذلك في النشيد الطفولي الوارد في الصفح (132) مـــن النص الإنجليزي
: (Eeny meeny miny mo...)
الذي ترجمناه كما يلي:
(قالة بالة برتقالة...) ص 152 من ترجمتنا ... أي كنا نبحث عن معادل
equivalent
لما ورد في النص الإنجليزي .. كما إننا بحثنا كثيراً عن مصطلـــح
Abductin of Europe
في قواميس الفن التشكيلي . وأخيراً وجدنا ضالتنا في العدد (49) من
مجلة ( فكر وفن )..
إنها تعني ((خطف اوربا)) – وهو موضوع إنشغل به الرسامون والنحاتون
قبل وإبان الحكم النازي في المانيا. وكان القصد منه إظهار ردة الفعل
على عنف النازيين تجاه الناس وتجاه الحضارة الأوربية ،كما أن وضع
أوربا المخطوفة يمكن أن يشير إلى حريات الناس المصادرة..
أنا، شخصيا ً، خلال ترجمتي للأعمال الأدبية ، أستعين
بمعاجم وموسوعات
كثيرة كي أتوصل الى فهم كامل للنص..
إن أحد الأسس الثلاثة التي تقوم عليها الترجمة هو
المتعة التي يجب أن تلهم الترجمة وتديمها وتنشأ عنها..
وإذا استعرنا معايير ت. آس اليوت فإن المسألة هي مسألة التمكن من
إدراك أن العبارة أو الجملة هي في موضعها الصحيح. أن على المترجم أن
يقاوم الإغراء الذي يستحثه على إستعراض خبرته بلا داع. ان عليه –
بقدر تعلق الأمر به – أن يضع نصب عينيه هدف أن يكون غير مرئي بصورة
تامة . إن أحداً لا يستطيع أن يتقاسم متعة ً مع أصدقائه عن طريق
الوقوف بينهم وبين المتعة.
ان الاختلافات بين اللغات تقف عائقا ً في طريق التفاهم والإتصال
اللغوي. ولو إفترضنا عدم وجود أي فروق بين اللغات كان بإمكان الفرد
الإنجليزي أن يفهم اللغة الصينية أو لغة الاسكيمو بالسهولة التي يفهم
بها الإنجليزية . وبما أن الواقع خلاف ذلك فإن اللغات تمثل حواجز بين
من يتكلمون لغات مختلفة ، فتصبح مهمة الترجمة الأساس هي تجاوز هذه
الحواجز والنفاذ من خلالها ..
ان ترجمة أي عبارة لا يمكن ان تتم الا بعد تحديد هويتها وموقعها في
إطار لغوي ثابت ومن هذا المنطلق يمكن القول إن فكرة الترجمة مبنية
على فكرة مفادها أن اللغات تتكون من اجهزة ذات أنظمة معينة تستوجب من
المترجم البحث في كل لغة عما يقابلها في اللغة الأخرى ثم يبادر الى
البحث عن العبارة التي تؤدي الغرض نفسه بعد التأكد من موقعها في كلتا
اللغتين.
ففي ندوة ٍ عن الترجمة عقدت في دمشق في اذار(مارس) 2005 لفت سعدي
يوسف الانتباه إلى ظواهر مقلقة أخذت تظهر على السطح منذ بدأت عملية
التهميش الراهنة للأمة العربية وثقافتها متسائلاً :- لماذا يكون
الروائي المغربي محمد شكري ، مثلاً لا محمد زفزاف ، النموذج المنتقى
للإبداع العربي لترجمته إلى الإنجليزية ، ويرد سعدي يوسف بأن سبب ذلك
أن محمد شكري يقدم مجتمعه كما يشتهي الآخر ضمن معادلة المستعمر
والمستعمر . وهنا لا بد أن نشير إلى ضرورة ترجمة تراثنا الأدبي
والفكري والثقافي إلى اللغات الحية ، لأنه في الغرب كما يقول مريد
البرغوثي في الندوة ذاتها فكرة ملوثة وجاهزة عن العرب والإسلام
يروجها الإعلام في العالم.
وفي الختام نقول تمارس الترجمة دورا ً تجديديا ً هاما ً في الثقافة
المستقبلية. فهي تنقل إلى تلك الثقافة انماطا ً وأشكالا ً وانواعا ً
وتيارات واتجاهات لن تعرفها قبل ذلك ، ثم تتأصل تلك الأشكال في
الثقافة المستقبلية إذا توافر فيها إستعداد لتبينها وتأصيلها..ومن
ابرز الأمثلة على ذلك الدور التجديدي الذي مارسته الترجمة في الأدب
العربي الحديث الذي ادخلت اليه الترجمة انواعا ً واساليب وإتجاهات
جديدة ، وساهمت على هذا الشكل بدرجة كبيرة في تطويره
وتحديثه..
المصــــادر
1.
هجرة النصوص – دراسة – د. عبده عبود – منشورات إتحاد الكتاب العرب –
دمشق 1995.
2.
متعة الترجمة – ايلين كيون – ترجمة امجد حسين – مجلة الثقافة
الاجنبية- العدد 5و6 سنة
1984ص 87-90.
3.
ندوة عن الترجمة – عدد من الكتاب – ترجمة د. فراس عواد معروف- مجلة
الثقافة الاجنبية- العدد 5و6 سنة 1984 ص 94-105.