النمور في يومها الحادي والعشرين
حميد حسن جعفر/ الكوت
لقد انهارت الأفكار والمؤسسات وانهارت الجمهورية الخامسة وانهار الملك ، خامس
الرؤساء . ولينهض بعد ذلك الوجه الآخر للمجتمع ، الوجه الذي تخندق خلف المرآة فلا
يرى الناظر في المرآة سوى كيانه هو وكيانات الآخرين الذين اصطفوا إلى جانبه
أو خلفه أما الذين يقفون في
الجانب الأخر للوح الزجاجي فلا يرى ذهنياً منهم سوى القتلى والشهداء والمنفيين
والمجانين . لقد نهض الوجه الأخر للمجتمع على أيدي العقلانيين حد الجنون والتطرف
والمعنيين حد الشهادة . كان المقموع وسط الغابة التي دمرتها حالة الاسطرة (فكل شيء
كان فوق طاقة التصور المعقلن والمتعقل ، كان خارج التوقعات فقد كانت الانهيارات
تتراكم امام العين وكان الجميع قد فقد القدرة على ايقاف الحدث). كان هذا المقموع
يعاين النمور في يومها الحادي والعشرين وهي تبحث عن الجحور بدل الاشجار التي تقيها
عيون الشامتين من المنبوذين والفقراء ، وضحك هستيريا الذين تفجرت دواخلهم عن خراب
ودمار للآله التي كثيراً ما كانت تفرم / تقزم احلامهم.
كانت هذه العيون التي اتسعت بشكل رهيب وغريب تشكل مع السلطة المنهارة طرفي
مواجهة أولى . وكانت هناك خرافتان تشكلان مواجهة ثانية خرافة مبنية على القمع
الجسدي والفكري واخرى مبنية على الاجتياح والغزو والاحتلال خرافتان تتقاسمان ساحتين
للحرب ، واحدة تتسع والاخرى تلملم حيواناتها ، المستنفرة في الصميم والتي لم تجد ما
تحتمي به غير بعض جغرافية ارضية مصطنعة لم تستطع ان توفر حالة امان لمن يلوذ بها .
كان من الممكن ان يكون الاجتياح أكثر حضارة يعتمد اصلا على منجز حضاري يقي الكائنات
التي امتحنت سابقاً الكثير من المصائب والمصاعب والبلايا ولكن الاجتياح جاء كحالة
عسكرية غير قادرة على امتلاك أي حالة من حالات التمييز او العزل بل كانت خالية حتى
من محاولة زرع الذكاء في دواخل الريبورت . ولم يستطع هذا الاجتياح ان يمنحها صفة
انسانية بل تكاد إن تكون الحروب - لا كما حاول ان يصفها البعض الاخر حالة عابرة
قادرة على الانسحاب من الساحة تاركة اليها للآخرين / الحضاريين ان الاخر الماضوي /
النمور لم تستطع ان تستحضر خرافاتها واساطيرها السابقة التي كانت تحاول ان تخترق
التحصينات الفردية بجذور الفكر المناهض والتي (أي النمور ) لم تستطع ان تمحو صوراً
وتؤكد على الصور الاخرى بسبب عدم امتلاكها للفهم الحضاري للوجود الانساني فقد كانت
المخالب والأنياب هي التي تمنح النمر القوة وزرع الفزع في المقابل اللاحيواني ،
والذي لم يستطع ان يمتلك من قوانين الغابة الا ما هو خارجها ، خارج اسوارها من قيم
ومبادىء . فبعد انهيار الغابة التي لم تكن اخلاقياتها سوى مجموعة من القيم القامعة
وتصرفاتها لم تكن سوى ما تفرز / تنضح اجساد اصابتها الرثاثة قبل عقود من الزمن ولكن
العطارين كانوا يحاولون اصلاح ما افسده الدهر فكانوا يبدأون المداواة بالتنويم
المغناطيسي ولا ينتهون الا بالكي او البتر ، ورغم هذا وذاك ظل هذا الجسد الذي
اعتاد الغابة بكل تفاصيلها اوراماً خبيثة حاول البعض ان يمنحها صفة الحميدة ولكن
ذبول الجسد وخوائه كانا يطلان على الانسان / المخذول / المندحر من جميع الشرفات
والنواصي ، ومنحنيات الشوارع والازقة والمتنزهات بل وحتى من القصور . وكان للشعر
دور كبير في محاولة تثبيت الكثير من القيم المتحررة على اساس ان الشعر ديوان العرب
، ولغة المشافهة التي من الممكن إن تستفحل في نفوس المقابل ناقلة اياه الى ارض اكثر
نظافة وطمأنينة . فلقد كان للثقافة الكثير من المحاولات في خلق حالة التغيير ، ودفع
منجز الغابة بعيداً عن التأثيرات ، وما المنجز الشعري على المستوى الفردي او
الجماعي الا الرد البين على ما تشيعه لغة العنف من حالات تشويش وضبابية ومحاولة سحب
الانسان / المتلقي الى ملعبها / ثكنتها .
لقد منح منتجو الادب / المبدعون الكثير مما لديهم من طموحات وهموم لفضاء الرفض وعدم
القبول بالواقع الراكد رغم اعاصير السطح . ان محاولات قادة الغابة في استسهال تلقف
الرواة من القصاصين والروائيين بعد ظهور قصة المعركة ورواية الحرب وادب الحرب
وحالات التغطية ، تجميل البذئ من الكلام والمدونات وعبر طروحات حاول المقيمون عليها
ان يظهورها بلباس المعاصرة مرة والحفاظ على لحمة التجمع الانساني ثانية وعدم
التفريط بالمنجز الحضاري للانسان العراقي ، ثالثاً ، وان الوطن هو الاول والكل ،
يأتي من بعده رابعاً وعاشراً . فقد كان منتجو الفكر القمعي وعلى جميع المستويات
يعملون على اشاعة حرص السلطة على الادب والثقافة عبر حالات ثقافية وادبية (
مهرجانات / مناسبات / مكافآت / استذكارات / صناعة النجوم / ايفادات ) خالقين حالة
من التمويه خلف / على اصوات لم تكن في يوم ما الا حالة دعائية لا فنية / ابداعية
مستفيدة من قوة الاعلان لا حالة دعائية لا فنية / ابداعية مستفيدة من قوة الاعلان
لا الاعلام في التشوية والتشويش وخلق حالة من التبادل في المواقع المختلفة من جسد
الابداع مع محاولة التغيير في المواقف من / بالنسبة الى الممسك للسلطة المنتجة
لحالة التغير المضاد . ان التغير ( تغير وجهات النظر التي تتخذها السلطة ازاء
الاخرين ) لم يعتمد في يوم ما على قوة المنجز الابداعي بل يكون اعتماده اولاً
واخيراً على قوة المنجز القمعي الذي يمنح الدولة كنظام القدرة في الدفاع عن فضائها
تلك الدولة / الغابة الجمهورية التي افصحت عن كل مكوناتها الدموية في ساعات الحرج
عندما تدفع الفطرة بالانسان الى حالة الصحو الشبيه بالرفض ، اذ ان الحياة هي التي
تبدأ بالدفاع عن نفسها جنباً الى جنب مع منجزها الفوقي والذي لم يكون نتيجة انية
للصراع بل يمتلك من العمر ما يؤهله للوقوف بوجه كل المحاولات لألغاه وذلك لأستناده
على فكر بدائي عميق . ورغم ان الابداع / القصيدة وسواها من المنجزات الادبية مورست
ضدها انواع عديدة من القمع والإرهاب وتحول الكثير من الشعراء نحو انتاج شعري موسمي
اني خال من صفة البقاء والديمومة ( لأستجابته لمتطلبات المرحلة ) ضاربين ( الشعراء
) اطناب الأعلام في الكثير من الساحات الادبية فلا غرابة ان يتحول المبدعون الى
إعلاميين والنقاد الى شعراء ، اذ ان عملية احتلال النص الردئ للكثير من
المايكروفونات ، منحها رضا وقبول سلطة الثقافة التابعة ، فالوقوع تحت سلطة المكافآت
( طبع / نشر / خدمات سمعيبصرية ) لم يكن بالشيء الهين البسيط بل له من القدرات ما
تعجز عنه المنابر الابداعية التي تقف خارج هيمنة المنظمات المنتجة للثقافة بل ان
الابداع قد يتراجع مضطراً محاولاً الحفاظ على ما تبقى من قيم قد يستفيد منها في
لحظات هجومية او دفاعية قد يبدأها او يواجهها .
فحالة الاحتفاظ هذه منحت الفضاء الإبداعي القدرة على استلام المقود واجتياح /
افتتاح طرق ليست قديمة كما يضن البعض . لأن الإبداع لا يعترف بالطرق السالكة باحثاً
لأقدامه مواطن / مواقع غير موطوءة متجاوزاً المنجز التعبوي كما يحلو للبعض ان يسمي
ما تم انجازه على يد / اقلام حرب .
ان وقوع البعض تحت طائلة / سلطة ان الوطن في خطر ، وان المبدع جندي يجب ان يكون
مطيعاً وان الثقافة احدى الساحات القتالية التي يجب ان يخوضها فيلق الثقافة بصورة
خاصة والشعب بكل طوائفه وقطاعاته وانتمائاته بصورة عامة كل هذا من اجل ان تتحول
مناضد الحوار المستديرة الى ثكنات ومواقع قتالة وخطوط مواصلات لا تنتهي الا
بالانتصار على الاعداء الذين يتربصون بالوطن شراً واحتلالاً ومن اجل ان يعترف
الجميع بأن القصيدة بندقية . كل هذا من اجل الوقوف تحت خيمة اعلام معتوه موبوء
بالعنجهيات وبالحروب وسط فضاء لثقافة احادية بعيدة عن امتلاك القدرة على مشاهدة
الجانب الاخر من الحياة . فحين تتضرع السلطات – أي كان نوعها بالاني والموسمي او
المؤقت للحفاظ على كدياناتها فسوف تتحول هذه الآنية وما يصاحبها من اضرار واعطاب
الى حالة دائمية وامراض مزمنة نتيجة ما توفره للقائم على آمرها – من طمأنينة والغاء
للمقابل . وحين يلغى المقابل سواء كان كائناً انسانياً او منجزاً ابداعياً او حضارة
يخلو الفضاء من التناقض ما يدفع بهذه السلطات الى الاستحواذ او الاستيلاء على
الشاطئ المقابل ضمن عملية ملء الشواغر مستعملاً قانون الاواني المستطرقة . او خلق
حالة من الادعاء من انه هو الاحق بالضفتين لأنعدام تواجد الفواصل / الموانع /
العوازل بين الضفاف او الشطآن . او ان البدائل هي منجزات غير مؤهلة لأستلام
القيادات وانها ليست بأفضل مالديه وانه من الممكن ان يكون بديلاً لها وبكل جدارة
واستحقاق ناسياً او متناسياً ان القواعد التي انطلق منها لم تكن مهيئة في الاصل
للبقاء على ارض الواقع او من الممكن ان تكون شاغلة للحياة المنتجة للحضارة . كل هذا
وسواه من اجل الحفاظ على ( الهوية العامة ) للمعركة ! والامتداد الجغرافي من اجل كل
هذا على الاخرين ان يتوقفوا عن زيارة مقابرهم ، او ان يدفعوا ثمن الرصاصات التي
تخترق اجساد ابنائهم او حتى اقاربهم بعيداً عن الاحتفاء بالموتى . اذ ان سلطة
الاعلام التابع للدولة / النظام كانت تعمل جاهدة على ان تحول الشعراء الى قتلة
والنصوص / القصائد إلى بنادق ولكن من قش هو الإبداع إلى عمليات تعبوية من اجل تحويل
انتباه المواطن / المتلقي نحو هموم الدولة / السلطة المفتعلة لا على الانشغال بهموم
الانسان / الرعية فالراعي هو الذي يجب ان يكون اولاً ، اذ ان الانسان اصبح تابعاً
لا متبوعاً واقفاً او متحركاً ضمن حالة القطيع عند هذه الحالة يحاكم الانسان
المنفرد / المتفرد حين يحاول ان يدافع عن نفسه ، بأن الجماعة لا يمكن ان تكون على
خطأ والفرد هو الوحيد القادر على الامساك بالحالة الصحيحة وليتحول بالتالي مساره
الى مسار الاخرين متخلصاً من حالة الاستثناء الذي يعتبره الاخرون هو الشذوذ بعينه
وهو الخروج على حركة السرب . أن خروج الشاعر / المبدع على السرب / المتعارف عليه /
السائد ضرورة لا يمكنه ان يمارس عملية الديمومة من غيرها / فعبر حالة كهذه يتعرف
المبدع على صوته وصورته وموطئ قدميه بين الزحام / وسط قطيع ذي سحنات متشابهة وهيئات
مستنسخة وألا اختلط الحابل بالنابل كما يقال ولضيع الليل والنهار ضمن حالتي الغسق
والغبش مما توفر عملية الخروج للإنسان حالة من الرؤيا الواضحة بعيداً عن خلط
الأوراق