عمارة
" ابراج الكويت " :
تمازج النفعي مع الجمالي
د . خالد السلطاني
مدرسة العمارة / الاكاديمية الملكية الدانمركية
للفنون
تمثل موضوعة "
ابراج الكويت " في العاصمة الكويتية الكويت ، موضوعا
جديدا ومثيرا لمبانٍ
فتحت بعمارتها المميزة ، ووظائفها المتنوعة افقا جديدا في مهام تكامل
الاهداف النفعية الصرفة واندماجها مع القيم الجمالية السامية ؛ ورغم
ان " ثيمة " تلك الموضوعة الابداعية نادرة في الممارسة التصميمية ،
الا ان حضورها في المشهد المعماري العالمي ترسخ بقوة بعد ظهور "
ابراج الكويت ". ومنجز عمارة " الابراج " لا يعكس فقط نجاعة الحدث
التصميمي لذاته فحسب ، وانما يبين بصورة لافته اهمية افكار حوار
الثقافات المختلفة وحيوية دلالاتها، وما يمكن ان يترتب عنه من
انجازات رفيعة ، متأتية اساسا من عمليات التأويل في تجلياتها "
الهرمنوطيقية " المبدعة . من هنا ، في اعتقادنا ، ينبغي التعاطي مع
هذا المنشأ الجليل ، ليس بصفته حدثا تصميما ناجحا ، بقدر ما تكشف
لغته المعمارية المتميزة عن مجالات ابداعية رحبة ، توفرها فعالية "التثاقف
" المتأسسة مرجعيتها على احترام ثقافة " الاخر " والاعتراف بمنجزه ،
والقبول بالاختلاف والمغايرة .

عندما تقرر
تشييد " ابراج الكويت " ضمن خطة متكاملة لتزويد مدينة الكويت بماء
الشرب، تم الاعلان عنها في 1967 ، كان ذلك استجابة منطقية لحاجة
المدينة الملحة للمادة الحيوية ؛ ذلك لان محطتي تحلية ماء البحر
الاثنتين المنفذتين في اعوام 1950-53 ، واللتين عدتا يومذاك ، من
اضخم محطات التحلية في العالم ، لم تعودا كافيتين لتلبية احتياجات
المدينة التى طالها التوسع السكاني بشكل كبير ؛ ذلك التوسع السريع
الذي شهدته الكويت اثر الطفرة الاقتصادية التى رافقت اكتشاف النفط
بصورة تجارية والبدء في تصديره عام 1946 . ويمكن للمرء ان يقدر نسبة
الازدياد السكاني في مدن الكويت ، اذا علمنا ، بان ساكني مدينة
الكويت الذين لم يكن يتجاوز عددهم عن 35000 نسمة في سنة 1914 ، امسى
حوالي 150000 نسمة عند تخوم سنة 1950 ؛ وفقا لمؤلف كتاب " العمارة
التقليدية في الكويت " الصادر بالانكليزية سنة 1978 ؛ ومعلوم ايضا ً
، ان عدد سكان العاصمة الكويتية قد تضاعف سريعا ً ً في السنين
القليلة التى اعقبت فترة الخمسينات ً .
كلفت شركة "
في بي بي VBB-
Vallenbyynadsbryan " السويدية عام 1967
بتهيئة الوثائق الخاصة بمشروع اعداد وتصميم منظومة جديدة لاغراض
تحلية ماء البحر وضخه وخزنه وتوزيعه على سكنة المدينة ، وتم اعداد
التصاميم في غضون سنة تقريبا ( نوفمبر 1967 ولغاية اكتوبر1968 ) .
وشرع في البدء بتنفيذ تصاميم المشروع في فبراير 1970 وانتهت في
اواخر سنة 1976 . شمل المشروع بناء محطات تحلية ووحدات ضخ ومد شبكة
انابيب وتوفير خزانات مائية بسعات كبيرة موزعة في انحاء عديدة من
المدينة لتسهيل عمليات ايصال الماء وتوزيعه الى السكان ، سواء كان
ماء المخصص للشرب او الماء الخام للاحتياجات الاخرى .
اقترحت الشركة
السويدية في ضوء الدراسة المعدة للمشروع ، تقسيم المدينة الى ستة
قطاعات ، وكل قطاع يُخدم بصورة منفردة من قبل خزانات مائية . وهذه
الخزانات على نوعين ارضية وعلوية . تسع الخزنات الارضية التى يقدر
عددها بثمانية خزانات ، ما يعادل 138000 مترا مكعبا ؛ في حين قدر سعة
الابراج العلوية من الماء الصالح للشرب بـ 93000 مترا مكعبا ،
موزعةعلى 31 برجا ، يسع كل برج 3000 مترا مكعبا . وهذه الابراج موزعة
على خمسة مجاميع ، كل مجموعة تحتوي على مابين 6- 9 ابراج ؛ وحدد عدد
ابراج كل منطقة طبقا للكثافة السكانية وكمية الاستهلاك .

تم تصميم جميع
الابراج العلوية الواقعة في القطاعات الخمس من المدينة على هيئة
اقماع مخروطية محمولة على مسند / عمود بمقطع دائري . وهذه الهيئة
ذات التركيبة الانشائية التى تشبه " الفطر او < عش الغراب > "
Mushroom Structure
، هي الافضل انشائيا والاكثر ملائمة وظيفيا من
بين الاشكال الهندسبة الاخرى لحمل وخزن اكبر كمية ممكنة من الماء .
وتتميز كل مجموعة من هذه الابراج المخروطية عن الاخرى باختلاف
ارتفاعاتها ونظام تجميعها بالاضافة الى تباين الوانها ونقشاتها . تمت
معالجة مساحات المواقع المحيطة بالابراج باعتبارها فضاءات عامة
مفتوحة للجمهور حافلة بالمزروعات والسواقي والممرات المشجرة . ونفذت
جميع الابراج بالخرسانة المسلحة المسبقة الشد ّ سواء للقمة
المخروطية او الاعمدة الساندة ، وذلك للحصول على نتائج تركبية
وانشائية عالية الجودة ومنعا للترشح والتسرب . وانجزت الاعمال
الخرسانية باسلوب الصب الموقعي باستعمال نظام " القالب المتحرك "
على نطاق واسع . واجريت حسابات خاصة لتحديد درجة ميل الجدران القشرية
Shell
، بحيث يتوجه مسار القوى داخل القشرة وينتقل
بصورة متسقة ومستمرة الى العمود الساند .
لكن الحدث
التصميمي الفريد في عمارة الابراج العالية ، لا يكمن هنا ؛ لا يكمن
في تصميم وتجميع مجاميع لخزانات قياسية مخروطية الشكل ، التى ترسل
ظلالها الوفيرة المرحب بها على مساحات واسعة من الاراضي الواقعة
تحتها ، وليس في اسلوب شكلها المميز وتلويناتها المعبرة ، رغم انها
امست تمثل " معلما " بصريا خاصا مانحة نوعا من " الهوية " للمنطقة
الواقعة فيها ، جنبا الى جنب اسهامها في تأكيد وتكامل " وحدة "
المنظومة الانشائية للمشروع الحيوى ، وللمدينة ككل في الوقت نفسه
. ذلك لان الحدث التصميمي الزاخر بالمعاني والدلالات تسحبه لنفسها
مجموعة الابراج العالية في المنطقة " السادسة " من قواطع تقسيمات
العاصمة الكويتية المقترح من قبل الشركة الاستشارية .
عندما تم
تحديد قاطع المنطقة السادسة شمال مدينة الكويت ، ليس ببعيد عن مركز
المدينة التجاري ، وبمحاذاة الشاطي البحري المطل على خليج الكويت ؛
طلب سمو امير البلاد وقتذاك ، الشيخ جابر الاحمد ، من الشركة
الاستشارية ان تكون تصاميم الابراج المائية في هذا القاطع ذات اشكال
مميّزة ومشوقة ومغايرة عن اشكال تصاميم الابراج المخروطية القياسية
المتشابهة والمخصصة الى القواطع الاخرى ؛ نظرا لاهمية الموقع ،
وامكانية استخدام الابراج في هذة المنطقة لاداء اهداف اضافية ، جنبا
الى جنب وظيفتها الاساسية كمنشاءات لخزن المياه . وعلى اثر ذلك
الطلب المثير ، اعدت الشركة السويدية " في بي بي " سنة 1971 عشرة
تصاميم مختلفة خاصة بالموقع المخصص الى المنطقة السادسة ، وقدمت
ثلاثة منها الى انظار امير البلاد ، ووقع الاختيار على التصميم المعد
من قبل مكتب المصممة والمعمارية الدانمركية " مالينا بيون "
Malene Bjørn
وزوجها السويدي " سوني لندستروم "
Sune Lindstrom
، وتشير الوثائق التى اطلعت عليها والخاصة
بتصاميم " الابراج " ولا سيما الوثائق الرسمية المعدة من قبل الشركة
الاستشارية والمقدمة الى " مؤسسة الاغا خان " ، بان المصممة
الدانمركية كان لها اليد الطولى في التصميم ، وتم تسميتها في تلك
الوثائق " بالمعمار الرئيس " لابراج الكويت .
حرصت المصممة
على ان لا تقتصر مهمة الابراج في هذه المنطقة على غاية خزن المياه
لوحدها ، وانما اضافت فعاليات جديدة ومتنوعة الى اهدافها ،
كالتسهيلات الترفيهية والسياحية والخدمية ، ولهذا فان ابراج المنطقة
السادسة التى دعيت لاحقا " بابراج الكويت " اشتملت على مطاعم ومقاهي
وشرفات دوارة للنظر والاستمتاع بمنظر بانوراما المدينة والبحر ..
والصحراء من ارتفاعات عالية .
يشمل مخطط
موقع القاطع السادس على ثلاثة ابراج خرسانية ذات ارتفاعات متفاوتة
ووظائف مختلفة . يحتوي البرج الرئيس العالي الذي يصل ارتفاعه الى
حوالي 185 مترا ، على كرتين متباينتى الكتلة والارتفاع . فتقع الكرة
الكبيرة السفلى عند ارتفاع 75 مترا ، فضاءها الداخلي قسم الى نصفين :
خصص النصف الاسفل منه الى مستودع لخزن المياه ، يستوعب 4500 مترا
مكعبا ؛ في حين احتوى فضاء النصف الاخر العلوي على مناسيب مختلفة
مشغولة بمطعم سعة 90 مقعدا ، وقاعة مآدب لـ 60 شخصا بالاضافة الى
وجود قاعات صغيرة للحفلات الخاصة ، فضلا على احياز متممة لخدمة
المطبخ والخدمات الاخرى ، كما روعي وجود حديقة داخلية . ولم تكتف
المصممة بتحقيق الاهداف التقنية المباشرة المترتبة جراء تشييد وبناء
هذا البرج ، وانما تاقت الى تعزيزه بتسهيلات استجمامية وترفيهية ،
مرسخة في الوقت ذاته مقاربة حديثة لجعل خاصية المعطى التكنولوجي تعمل
لجهة ايفاء المتطلبات الانسائية ايضا ً، ولهذا فان قرار اضافة تلك
التسهيلات الى المنشأ كان بمثابة استجابة منطقية لمتطلبات تلك
المقاربة وتفاعل اجرائي لذلك التوق التصميمي؛ وسعيا للتشديد على
اهمية حضور التسهيلات الترويحية في منهاج التصميم المقترح فقد ارتؤي
تصميم كرة اخرى على ارتفاع 120 مترا ، تحتوي على كافيتريا تسع 70
شخصا بارضية دوارّة ، تدور دورة كاملة حول نفسها كل نصف ساعة ، تتيح
للزوار امكانية مشاهدة بانوراما العاصمة الكويتية وجوارها .
اما البرج
الثاني من مجموعة ابراج الكويت فيصل ارتفاعه الى 140 مترا ، ويحتوي
على كرة واحدة فقط ، مخصصة لخزن المياه بطاقة استيعابية بنحو 4500
مترا مكعبا ؛ ولا توجد هنا اية فضاءات ترويحية . والبرج الثالث
الاخير في هذه المجموعة الذي يشبه الابرة ، هو الاقصر ، اذ ان
ارتفاعه بحدود 110 مترا ، وهو بخلاف البرجين الاخرين خالِ من
الخزانات المائية ويحتوي فقط على كشافات اضاءة البرجين واجهزة تحكم
الانارة ، وبهذا يكون مجموع كمية المياه المخزونة في القاطع السادس
ما يساوي 9000 مترا مكعبا تضاف الى كمية الماء المخزون في الابراج
المخروطية والخزانات الارضية ، فتكون الطاقة الاجمالية لكميات المياه
المخزونه في عموم خزانات المشروع بـ 240000 متر مكعب .
تم تغليف جميع
القباب الثلاث في البرجين العالين بقطع معدنية مطلية وملونة بالوان
مختلفة هي الازرق والاخضر والرمادي / الاشهب ؛ ووضعت القطع المعدنية
بصورة لولبية / حلزونية حول اسطح الكرات . كما تم ّ احاطة الكرة
الكبيرة السفلى في البرج الاعلى بحزام من اضلع المنيومية تنبت افقيا
، تعمل عمل " كاسرات شمس " لحماية شريط فتحات النوافذ الزجاجية
الواقع اسفلها والذي يلف الكتلة الكروية من جميع الجهات . انجز
تزجيج غالبية اسطح الكرة الصغيرة العليا بقواطع معدنية مثلثة تحصر
داخلها قطع زجاجية مدورة تحدد بمجموعها هيئة الشكل الكروي العام .
تستحضر
الاشكال الكروية في " ابراج الكويت " المعلقة عاليا ً بواسطة مساندها
الدائرية المستدقة ذات السطوح الخرسانية المصقولة الناتجة عن "
الصبّ النظيف " Fair Face
، تستحضر هيئات قباب المساجد ومنائرها
المهيمنة بصريا في " سلويت "
Silhouette المدن
الاسلامية ، حضورها الواضح والقوي هو الذي يمنح خط سماء تلك المدن
تأثيرا معبرا يتميز بكونه مشوقاً . لكن هذا " الاستحضار " لم يكن هو
" الحال " الذي تنشده المصممة ؛ فوفقا لاعترافاتها بان انظارها ما
لبثت ان توجهت الى امكنة آخرى ، عندما دُعيت للمشاركة في تصميم عمارة
ابراج المنطقة السادسة ، العمارة التى يتعين ان تكون فريدة ومؤثرة
في آن . بيد ان محاولة تقصي افكار " خارج المكان " ، لم يكن بمقدورها
ان تظل بمنأى عن تأثير تداعيات وعي المصممة بمشاغل " مكانها "
الواقعي ، و" سلطة " افتراضات " مكان " التصميم المبتدع !
ولئن طاف
خيالها التصميمي باتجاه عمارة البرازيل ، حسبما ذكرت لاحقا ً ، تلك
العمارة التى رأت فيها مزيجا " تكتونيا "
Tectonic
مثيرا مؤلفا من تمازج النحتي مع الانشائي ؛ فانها سرعان ما عادت الى
" قواعدها " ، للتفكير مليا ً بما يحيطها وما يشغل هذا المحيط .
فتكتب عن شعورها آنذاك < ... عندما دعيت الى المشاركة في تصميم
ابراج الكويت استجابة لرغبة " الامير " للشركة الاستشارية بضرورة
اعداد تصاميم خاصة ومثيرة الى موقع المنطقة السادسة ، لم يكن
عندي اية افكار محددة .. > ؛ < ذهبت مخيلتي بعيدا في طريقها الخاص
، يومذاك لم اكن على دراية تامة بمنجز العمارة الاسلامية الرائع ،
المنجز الذي اقدره كثيرا والمعجبة به كثيرا . توجهت افكاري صوب
البرازيل ومبانيها المنطوية عمارتها على نصف " نحت " ، ونصف" انشاء
" ؛ لكن افكاري ظلت قلقة ، لم يستقر لها قرار . عند ذاك سألت نفسي
" ما الذي يجري الان ؟ ، ماهي الحياة ؟ ، ماهو المستقبل ؟ ! ؛ وفجأة
ومن دون وعي مني جالت في خاطري صورة " الارض " – كوكبنا الارضي
الجميل الدافئ ، وبالتزامن مع تلك الصورة تذكرت ايضا " الصواريخ "
، وهي تنطلق باتجاه الفضاء الخارجي في مسعى لاكتشاف " كواكب " اخرى
... لم يخطر ببالي ان اجعل الابراج تشبه المنائر ؛ لكن الامر المؤكد
ان بينهما اشياء مشتركة الى حد بعيد .. > .
) انظر "
Architecture and Community : Building
in the Islamic World Today ,New York ,1983, p. 252 ).
ورغم هذا
الاعتراف الصادق والصريح عن خلفيات الافكار الموحية للتصميم ، سنظل
نحن متلقي عمارة " الابراج " ننظر اليها من وجة نظر اخرى ؛ وجة نظر
ليس بالضرورة ستتطابق مع رؤى المصممة ؛ فآليات التلقي في النقد
المعاصر تتيح لنا وتؤمن فسحة واسعة من مدارك اخرى تساعدنا في
التعاطي بجد مع الصنيع الابداعي ، اياُ كان جنس ذلك الصنيع .
و"الحالة " الابداعية التى نحن بصددها توحي بقراءات متعددة " لنصها
" المعماري ؛ قراءات لا تستسلم بسهولة الى يقينية الشهادات
المعلوماتية عن المنشأ وابعاده ، وشكله وعن افكار مصممه ومقاربته
المعمارية . اذ تنزع تلك الاليات سعيا منها لمزيد من التواصل بين
النص المرئي ومتلقيه ، الى اسدال ستارة تفصل العمل الابداعي عن "
بيبلوغرافيته " ؛ بل وتذهب بعض المناهج النقدية ،حرصا منها على ادراك
عميق لماهية العمل الابداعي الى التركيز على التصميم لذاته من دون
الاكتراث اطلاقا بالمصمم ومرجعياته التصميمية ، تماما كما تطالب
آليات النقد الحداثي بـ " موت المؤلف " ! .
ومهما يكن من
امر ، فنحن ازاء معطى معماري بليغ ومدهش في آن ؛ بليغ لان المصممة
استطاعت بمهنية ان تتعامل باقتصاد عال مع مفردات تكوينية محددة
هدفها الحصول على تصميم مؤثر يجمع وظائف متنوعة وعديدة وحافل
بالدلالات الرمزية ؛ ومدهش ايضا ً لكيفية تنطيق ذلك الهدف وطريقة صوغ
التكوين . فالمصممة واعية جدا بان صنيعها الابداعي سيكون لاحقا "
ايقونة " المدينة وصورتها الرمزية التى لاتنسى ؛ من هنا يمكن فهم
نهجها الاختزالي وتوقها في التعامل مع مفردات تكوينية مقننة عمادها
الاشكال الكروية والاعمدة الخرسانية المستدقة لوحدهما ، كي يمكن
للمتلقي استذكار تلك الصورة بسهولة ويسر كبيرين ؛ كما يمكن ادراك
نزعة " المبالغة " في تحديد ارتفاعات الابراج ، ذلك لان منشاءات بعلو
يصل الى اكثر من 110 مترا و 145 مترا و 185 مترا لم تكن معروفة سابقا
، ابان تلك الفترة ، لا في ابنية الكويت ولا في مباني الدول المجاورة
، مما يجعل منها حدثا تصميميا مؤثرا بامتياز ؛ و يضيف هذا الحدث
اهمية خاصة الى عمارة الابراج كونها مثلت بارتفاعاتها الشاهقة سابقة
تصميمية رائدة في حضورالمنشاءات العالية اقليميا ، فاتحة المجال
واسعا لمثل هذا النشاط البنائي المميزّ في عموم عمارة الشرق الاوسط
.
ويبقى خيار
التكوين المبتدع يمثل ، في رأينا ، حلا تصميما فريدا وجريئا ً ،
فقرار توزيع المياه المخزونة في خزانيّن ببرجين منفصلين ولد ّ احساسا
بضرورة وجود برج آخر ، ثالث لزوم اكتمال صيغة التكوين الفني واتساق
عناصره وموازنتها ؛ الامر الذي حدا بالمصممة الى " انشاء " برج
الاضاءة النحيل تلبية لمتطلبات تصميمة جمالية بحتة ، استطاعت بحرفية
ان تشـّغله وظيفيا لتسويغ وجوده الفيزياوي .
ومن اجل تأكيد الاختلاف فيما بين الابراج
، تجنبا ً للتشابه الرتيب ، حرصت المصممة على ان تكون ارتفاعاتها
متباينة اولا ، وذات هيئات مختلفة ثانيا ً، مما يعطي تبريرا منطقيا
لوجود كرتين اثنتين في برج ، وكرة واحدة فقط في آخر ، وبالتالي فقد
افضى حضور تلك المغايرة الى اكساب جميع ابراج المخطط الثلاثة كلا
من هويته الخاصة المميزة .
ثمة قراءات
تأويلية عديدة تشي بها رؤية عمارة " الابراج " ، وهذه القراءات
تتيحها في الحقيقة فعالية "التناص "
Intertextulty
التى تفضي في النتيجة الى استيلاد رؤى متنوعة ،
رؤى ينخرط في استحضارها المتلقي عندما تقع عينيه على مشهد الابراج .
بيد ان فعالية استحضار هذه الرؤى لا تنحصر في متلقي بعينه ، كما
انها لا تدوم على ذات التصورات المستحضرة ، انها تتباين من شخص لاخر
، وتتغير عند كل مرة يرى المشاهد " الابراج " . في جميع تلك الرؤى
التى عادة ما تكون مستقاة من خزين الذاكرة الجمعية ، يشم المتلقي
فيها راحة مميزة ، بيد انها غير مألوفة ، انها رائحة " الاخر" ،
راحة الاختلاف والغيرّية . من هنا بلاغة الخطاب الذي تتكلم به عمارة
الابراج ، الخطاب الناتج عن تركيبة استثنائية تجعل من المألوف وغير
المعروف يعملان معا ًفي تكوين واحد ، وهذة التركيبة هي التى تمنح
التكوين المبتدع تميزه وفرادته ، ذلك لان منظر الابراج وان بدا
مشهدا مألوفا بهيئته القبابية واشكال عناصره العمودية ونوعية الوانه
، فانه ما برح يظل حاضنا لحساسية مغايرة ، حساسية تجد اصولها لدى
ثقافة المصممة : الثقافة الاسكاندينافية المميـزة. وهذه الحساسية
تهتم في جعل التكوين ينطوي على بساطة متناهية تعبرعنها منظومة
تناسبية منتقاة بصورة خاصة والاشتغال على حضور التزينات المتقشفة
والحرص على جعل التكنولوجيا تعمل بصفتها عنصرا تصميما ً مؤثرا .
ولئن امست
ابراج الكويت ، اليوم ، جزءا مهما واساسيا من النسيج التخطيطي لمدينة
الكويت ، فان اشكالها المميّزة والمقترنة بمزيج مؤثر لعناصر محلية
واخرى وافدة ، باتت تمثل مشهدا مقبولا ومفهوما ومثيرا للاستحسان عند
جمهور عريض من سكنة العاصمة الكويتية وزوارها . ان هيئة " الابراج "
الفريدة والمشوقة وارتفاعها الشاهق منحا بجدارة ، خط سماء المدينة
قوة تعبيرية مدهشة جعلت منه لوحة تشكيلية شديدة الثراء وجميلة المرآى
. انها اخيرا " ايقونة مدينة الكويت وصورتها البلاغية ، مثيرة
تكنولوجيا ، ومعبرة بصريا ورمزيا .. " ، كما جاء في حيثيات منحها
جائزة " الاغا خان المعمارية " المرموقة عام 1980 ؛ وهي اشادة نراها
صادقة ونتعاطف كثيرا معها ! .
د . خالد
السلطاني
مدرسة العمارة
/ الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون
