الشاعر عزيز الواسطي يحاور ذاته
الشعر فن القول الأرقى لا تحده اللغة وفي أية طريقه يكتب ..
* وكالة أنباء واسط *
في العام 1972 وكان لي من العمر آنذاك الستة عشر عاماً وجدتني فجأة في بستان تلفه رائحة الرازقي وتظلله أشجار الحلم والكمرة وحمد ذلك العراقي القادم من أعماق الهور يسقي أشجاره ويديم أنهاره وسواقيه بمسحاة الألم والحزن والغناء الأصيل ..
كان الريل ومظفر النواب يقود مريديه إليه في ليل البنفسج وأغاني الدرويش تصدع في عرباته الليلية بين السماوة ومحطات السفر في الديوانية يدججها عزيز السماوي بسبائكه الذهبية ورسايل من باجر لشاكر السماوي يرسلها للمحبين والعشاق على ورق البرتقال في شارع أبي نؤاس وقزح الجناجل ، كان محمد جاسم الليثي معلمي الذي علمني كيفية البكاء على أكتاف القصيدة ودرب الشمس المرجع لفنطازية الشعر الشعبي الحديث لغازي ثجيل وبكاء معي على ضياعي صغيراً في مدينة الكوت التي جئتها غريباً من القرى الحافيات ..
أقول وجدت نفسي اكتب هذا اللون من الشعر الذي اثبت جدارته وأصالته ومدا ثوبته ولغته اليومية الكبيرة وتخرجت من هذه المدرسة الجامعية حاملاً وجهي معي الى الأقاصي وبصمات الحاج زاير وتداعيات ريسان الخز علي بين جوانحي حتى غلق الزمن الردئ هذه المدرسة المعطاء حيث أخذت صفوفها تفتح لكل من هب ودب واختلطت أوراق مديريها حيث بتنا لانميز بين الغث فيها والسمين.. إلا أنها والحق يقال أفرزت على مدى الثلاثين عاما اصواتاً يشار لها بالبنان والعطاء كاظم إسماعيل الكاطع ، عريان السيد خلف ، علي الشباني ، صلاح حذاف ، مهدي السوداني ، كاظم السماوي ، كاظم خبط ، جبار سمير ، كامل الناصري .. شاكر الخباز ، صادق الصافي ، عزيز السماوي ، أبو سرحان ، وآخرون .
غادرت هذه المدرسة العزيزة وذهبت لكتابة القصيدة العربية الفصحى حيث درست عباقرتها وعمالقتها بدر شاكر السياب ، عبدا لوهاب البياتي ، خليل حاوي حتى نضجت هذه القصيدة عندي على نار هادئة وأصدرت مجاميعي الشعرية فيها ونشرت الكثير منها في الصحف والمجلات العربية والمحلية وما زلت لليوم احمل وجعي الأول فيها قصيدة في اللغة الأم لا تخلو من الأجواء المحلية والشعبية .
لا يخفى على المتابعين المبدعين للأدب العراقي الحديث سيما الأدباء في المحافظات وما يلاقوه من قمع فكري وإرهاب شبه ثابت من المركز خاصة دائرة الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة حيث الخبراء والجنرالات الثقافية الحاكمة والتي تظل وتبقى مئات السنين تحارب ودون هوادة الأقلام الفقيرة الوافدة من الجنوب .. فبدون أن تجعل خالك هناك وابنه هنا لا تصل لمبتغاك لو كنت أبو الطيب المتنبي أو الشريف الرضي ..
أصدرت مجموعتي الأولى في عام 1979 من دار مطبعة الجامعة وبمباركة المرحوم الأستاذ صاحب الدار المرحوم حميد الفلوجي حيث قام الرجل بتوزيعها ونشرها وإصدارها وتعضيدها مقابل 200 دينار فقط رحم الله الخيرين الذين لا اثر لهم اليوم .. أصدروا لي زملائي الشعراء الأردنيين مجموعتي الشعرية الثانية عام 1992 وبمباركة شاعرة عربية كبيرة لها الفضل الكبير في إبراز الأصوات العراقية في المنفى أما الثالثة فصدرت بطباعة بدائية وعلى حسابي الخاص في مدينتي الكوت ولي ثلاث مخطوطات مازلن في الرفوف يلتحقن تراب البيت وغبار الزمن .
عُلقت في رقبتي بندقية الحرب منذ 1973 ولم ارمها من هذه الرقبة حتى عام 1992 حيث هربت من الدائرة متقاعداً وتسرحت من الجيش جنديا أمينا دون غياب .. فحتى تتيح لي الفرحة للعوم مع الحيتان الكبيرة التي ما زالت تأكل الأخضر والأصفر والأبيض واليابس والطازج والمشوي والمقلي .. احمد الله إنني أصدرت ثلاث مجاميع .. زميلي الأخ الشاعر الكبير غني العمار لم يصدر للان مجموعته الأولى ..
أنا والحق يقال من المحظوظين في هذا الجانب بفضل النص الذي اكتبه والحمد لله حيث شاركت في مهرجانات المربد الشعري الذي يقام كل عام في بغداد .. الثامن منه والتاسع والحادي عشر والثاني عشر والخامس عشر والسادس عشر وكانت قصائدنا جميعاً في هذا المهرجان حرة ونقول ما نريد وهذه نسجلها سابقة طيبة لوزارة الثقافة العراقية آنذاك ولا يفوتني القول أن المربد الشعري شاركت فيه كل الأقلام التي تذمه اليوم في صحفنا الجديدة .. والتي أصبحت بين ليلة وضحاها من ضحايا الأنظمة الشمولية .. كما شاركت في مهرجان الشعر العربي الثاني الذي أقامه الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب في بغداد في العام 2000 كما وجهت لي دعوات مشاركة من أقطار عربية كسورية 1999 من اتحاد الأدباء العرب والأردن 2001 ورابطة الأدباء والكتاب الأردنيين لكن ضيق ذات اليد لم يتح لي السفر الى هناك ولوا أقامت الظروف لي آنذاك في السفر لأصبحت اليوم من أدباء الخارج المدللين في وزارة الثقافة
الحديث عن الأدب في محافظة واسط حديث شائك ولا بد لمن يريد الإدلاء بدلوه في هذا المجال لا يبخس الناس أشياءهم الا أنني أقول بتواضع أن الأدب الذي أراه الآن في هذه المحافظة بخير حيث نملك من الأسماء التي أثبتت حضوراً جلياً في الساحة الثقافية العراقية كالشاعر المبدع غني العمار والقاص إسماعيل سكران والشاعر حميد حسن جعفر والقاص محسن ناصر الكناني وسالم شاهين وحسن سالم الدباغ وصالح مطروح السعيدي والقاص والروائي والمترجم الدكتور علي عبد الأمير الذي عبر بناء محافظتنا الى الوطن العربي .. والشاعر ياسر العطية واحمد عبد الصاحب وشعراء شباب آخرون كالسيد الدنيناوي وحميد الزاملي وحيدر حاشوش العقابي وطه الزرباطي والقاص عبد صبري طخاخ كما ذهب لنا شعراء ومبدعون كبار الى دار البقاء رحمهم الله جميعاً كالقاص الشهيد حميد ناصر الجيلاوي والمرحوم الشاعر صاحب عبد الحسين ورحيم فرحان الحنون وكاظم محمد حسين ومحمد رحيم الواسطي ، الحديث عن الادب في واسط بحاجة الى وقفه تاريخية مسؤولة وليس بهذه العجالة نتحدث عنه سيما نحن مطالبون بعمل جبار لاستذكار المعلم المرحوم زاهد محمد ابن واسط .
الشعر وليد احتراق لعود ثقاب في غابة الألم الإنساني على طول المدى. الشعر هو فن القول الأرقى والأسمى هو وسيلة التعبير التي ينشدها لمحاكاة مرارة الواقع الأرضي في هذه الدنيا .. ودعاة اللغة فبأي لغة يكتب الشاعر وله المقدرة على ان يستفز من تلقى شعره فهو شاعر كبير .. اذهب الى رسول حمزا توف هذا شاعر يكتب بلغة أهله في روسيا لغة قومه الشعبية الا انه عبر البحار بها ، اذهب الى بدايات عبد الرزاق عبد الواحد وسعدي يوسف ومظفر النواب .. ثمة ملاحظة مهمة ، الكتابة الأم هي الا بقى ،
قصيدتي للإنسان المهزوم والمسحوق والمهمش ، قصيدتي اكتبها لجلدتي المقتولة على الهوية والمهجرة قسراً من وطنها والمحكومة بالإعدام سلفاً .. قصيدتي للفلاح والعامل والعاشق والفقير .. قصيدتي مجموعة مراثي لشهداء العراق الأولون واللاحقون .. لزوجتي الراحلة لعدم توفر الدواء ، لأطفال بلادي الذين تحرقهم دبابات الاحتلال الجديد والإرهاب . لدي قصائد انشرها تباعاً في جريدة طريق الشعب الغراء بالإمكان العودة لها .. انشد دوما في موضوعة قصيدتي الانتصار للإنسان الذي رملته الحروب ورمادها وتركته يعلن حظه العاثر انه ولد في وطن كتبت عليه المأساة منذ الآف السنين .. الإنسان عندي هو الأغلى والأغلى .. لي مجموعتي شعرية جديدة صدرت بعنوان مراثي اللؤلؤة .. ستعطيك ما تبغي .. لك الشكر والعرفان والتقدير أيها الصديق العزيز المشرف العام على وكالة أنباء واسط وأنت تلتفت لمن همشوا في الساحة الثقافية العراقية ..فأنا واحد منهم .جزاك الله خيرا