نزهة الخوف

 نزهة الحرب

شعر : محمد علي الخفاجي

 1ــ نزهة الخوف

المكان .. شارع الرشيد

الزمان            بعد الساعة الثالثة

ها هي الساعة الثالثة

الدوائر تقفل أبوابها

ويغادرها العاملون على عجل

والفتيات .. على عجل ينفرطنَ

ومن دون أن يعتنين بزينتهن .

أو يتسكعن في شارع النهر

يهرعن في الطرقات

ثم يكملن ما فاتهنّ من الكحل في الحافلات

لم يعد للرشيد جوار يسرن بشارعٍ في المساء

ويقتلن بالنظرات

لم يعد للرشيد سوى شارعٍٍ مهمل

والمحلات خاوية

وهي محروسة بالتبسمل والصلوات

ها هنا .. كل شيء موات

               ***

يسير السموأل في شارع للمسوأل

تحت صمت السكون الذي لم يعد ذهباً

فتجلىّ ركاماً من الرغبات

شارع باسمه والسموأل ليس له فيه دار

ولا حجر ثابت أو جدار

ربما بعد صبر قليل

ممكناً يُصبح المستحيل

والسموأل يتجول مُرتدياً بعض أسمالِِهِ

وماذا يضير السموأل أن يرتدي بعض أسمالِهِ

فما دام لم يتدنس من اللؤم والغزو عرضٌ لهُ

فكل رداء عليه جميل

ها هي الساعة الرابعة

البنايات فارغة .. والشوارع تصفرُ

هو ما عاد منتظراً أن تدق له ساعة فينام

فهنا قبل وقت الغروب يحل الظلام

لم يعد هو في حاجة أن يكون له منزل

كي يخبئ أسرارهُُ

أو ملابس تستر عورته من أحد

فهنا لا أحد

الشوارعُ فارغةٌ كلها

خان مرجان يطفئ أنواره باكراً

والمناضد شاغرة

والمقام العراقي ... منشده خائف

يتخفى وراء ستائره ويصيح

                              آمان .. آمان .. امان

ثم يهمس في سره

كاذب أنتَ أين الأمان

والرصافي من بعد ما أحرقوا سوقه

ظل من وحشةٍ واقفا خارج السوق

مصطنعاً وقفة الخيلاء

بينما قد عَلَته علانية صُفرةٌ في الطلاء

نزهة الخوف موحشةٌ

والشوارعُ فارغةٌ

لذلك حدثت نفسي

بأن أعبر الجسر مشياً إلى ساحة الشهداء

ففي ساحة الشهداء

يزدحم الشهداء

2ــ نزهة الحرب

وما الحرب الا ما علمتم وذقتم
تراودكم عن نفسها كل ليلة
تجيئونها جيلاً خراباً مروعاً

 

 

وما هو عنها بالحديث المرجّمِ
وتحبل منكم بالعديد فتتئمِ
وتغدون عنها بالصديد و
بالدمِ

 

ابني الذي ما زال تلميذاً .. يحب الحرب

في الصف

.. يحمل سيفه ويسير مختالاً كطاغيةٍ

ويحمل جدولاً للضرب

ولكي يخيف الجالسين من الصغار

يقص أشرطة البنات

يقط أقلام الرصاص به

ويُبقيه كما هو هاجساً للرعب

في البيت

يعزق فيه أعشاب الحديقة

يقطع الأشجار

يسقط زهرةً فوق السياج

يطارد القططَ الأليفةَ

يستبيح الدرب

ابني الذي ما زال تلميذاً ... يحب الحرب

لكنما للوقت حكمتهُ

وللأفلاك دورتها

فإذا هبت رياح الحرب

لم تترك له صفاً .. ومدرسةً

ولا بيتاً أليفاً .. هانئاً

أو ساحةً للعب

سوى طرقٍ بها كتل من الأسمنت

شاخصة تقوم

وحسرةً في القلب

وها هو ...

ها هو كما مرت به أمُّ قد ارتدت السوادَ

               بكى أماناً ضاع منه

               وصحبةً كانوا رفاق الدرب