من بحوث مهرجان المتنبي السادس

محافظة واسط 25-27/3/2007

 لغة الشعر: أداة أم أداء

دراسة أسلوبية لبيت شعر جاهلي

 د. عادل صالح الزبيدي

جامعة واسط/كلية التربية/قسم اللغة الانجليزية

           البحث دراسة تحليلية أسلوبية لأحد أبيات معلقة أمـــريء القيس "قفا نبك". تقوم الدراسة على تطبيق عدد من المعايير اللغوية للتميز في الأداء الشـعري وهي المستويات اللغوية الأساسية الثلاث: النحوي والصرفي والصوتي. تنطلق الدراسة من مسألة خلافية  كثر الجدل حولها تتعلق بماهية وطبيعة  الشــعر كفن من فنون اللغة وهي موضوعة لغة الشعر. الخلاف حول هذه الموضوعة يتركز حول البحث عن إجابـــة عن السؤال الآتي:

         هل اللغة هي أداة الشعر وبالتالي يمكن معرفيا الفصــل بين الشعر وأداته؟ أم أن الشــعر في جوهره هو اللــغة ذاتـــــها بحيث لا يمكن الفصـل بينـهما وبالتالي فلا وجــود للمعنى الشعري خارج نطاق النظم اللغوي؟

         تنطلق الدراسة من اختيار الشــق الثاني من السـؤال واعتماده نظرية يؤسس عليها تحليل البيت المختار محاولة استخدام معطيات الدرس اللغوي والأسلوبي الحديث لاختبار مدى صحة هذه النظرية تطبيقيا. ويخلص الباحث إلى أن اللغة الشــــعرية التي يستخدمها الشــاعر لا تصف أو تصور المعنى الذي يريد وصــفه أو تصويره، وإنما تقوم هذه اللغة بأداء (أو تأدية) ذلك المعنى مما مكن الشاعر من تحويل قدراته التخيلية إلى أدوات لغوية ترقى بالبيت إلى أعلى مســتويات الفن الشــعري من خلال جعله اللغة تخلق واقعا لغــويا قائما بذاته وبالتالي واقعا شــعريا افتراضــيا من اللغة وفي اللغة وليس من خلال استخدام اللغة لوصف أو تصوير حدث يقع في الواقع الفيزيقي خارج تلك اللغة.

        البيت موضوع الدراسة هو البيت المشهور الذي يصف فيه الشاعر حركة الجواد في كره وفره وهو البيت الآتي:

           مكـر مفـر مقبــل مدبر معــا             كجلمود صخر حطه السيل من عل([1])

         تحاول الدراسة بيان مواضع  الفن الشعري والأدوات اللغوية التي يستخدمها الشاعر الجاهلي لتحقيق  الغرض الفني الذي يريده وهو ما يثبت أن الشعر الحقيقي سواء أكان جاهليا عموديا أم حداثيا حرا إنما هو إبداع لغوي قبل أي شيء آخر.

         يقع التحليل في المستويات الأسلوبية الرئيسة الثلاث: المستوى النحوي، والمستوى الصرفي، والمستوى الصوتي.

        إن معنى بيت امرئ القيس هو ببساطة ما يأتي: إن حركتي الجواد كــرا وفــــــرا المختلفتين والمتعارضتين أو المتقابلتين أو المتعاكستين ظاهريا في الاتجاه إنما هما حركة واحدة وذلك لسرعتهما الفائقة بحيث يريد الشاعر لمتلقيه أن يدركهما على أنهما كذلك حركة واحدة وأن لا فرق بين كر الجواد وفره بل إن الحركتين تشبهان حركة حجر((جلمود صخر)) جرفه سيل عارم من على جبل . الحركة ( أو الصورة) موضوع البيت هي طبعا حركة باتجاه واحد أي نحو أسفل الجبل المتخيل. وهذا المعنى الذي يريد إيصاله الشاعر لا يتطلب كثيرا من العناء الشعري بل هو يتحقق بمجرد استعماله أداة تقليدية وهي التشبيه بكاف التشبيه. ولكن أيريد الشاعر إيصال غرضه بالتشبيه وكفى؟  نحن نرى إن البيت ليس مجرد بيت يصف  فيه الشاعر ما يريد وصفه بل هو بيت تتحقق فيه أعلى مستويات الأداء  الشعري من خلال استخدام أعلى ما توافر للشاعر من مستويات الأداء اللغوي الممكنة.   

      أقول ((معنى)) البيت لأن المعنى—الذي هو ليس كل شيء في البيت—يتحقق أو يوصله الشاعر باستخدامه التشبيه: والتشبيه هو أداة إيصال معنى كما هو معروف. إلا إن اشتغال اللغة كما سنرى يجري قبل التشبيه. أي أن الشاعر يحقق ما يريد تحقيقه لغويا قبل استخدام أداة إيصال المعنى التي هي التشبيه، وهو ما يهمنا في هذه الدراسة.

       إن البيت كبنية لفظية يصنع بنية معنى(أو إن في البيت بنية لغوية لفظية تصنع بنية معنى(سيمانطيقية)) وتنمطها تنميطا تناظريا. تتحقق هذه البنية في صدر البيت حتى قبل أن يدخل الشاعر الصورة باستخدام التشبيه، وهذا يعني أنه ليس من خلال التشبيه يتحقق البناء الشعري وبالتالي المعنى الشعري الذي يجري إيصاله وإنما يقوم الشاعر بذلك من خلال استخدامه جملة من الأدوات اللغوية يجعل من خلالها اللغة تعمل على أعلى مستوى من الخلق الفني والشعري من خلال بنية لفظية يلتقطها الشاعر من بين عدة خيارات لغوية متوافرة لديه. البنية موضوع الدراسة إذا  هي ليست البيت بكامله وإنما الصدر فقط.

        تحاول الدراسة الإجابة عن السؤال الآتي: كيف تحقق هذه البنية اللفظية وظيفتها الشعرية؟ يطرح رومان ياكوبسن في مقاله الرائد ((اللسانيات والشعرية)) السؤال الآتي: (( حسب أي معيار لساني نتعرف، تجريبيا، على الوظيفة الشعرية؟ وعلى وجه الخصوص، ما هو العنصر الذي يعتبر وجوده ضروريا في كل أثر شعري؟))  يقدم ياكوبسن إجابته عن هذا السؤال  بالتذكير أولا بأهمية ما يدعوه ((بالنمطين الأساسيين للترتيب المستعملين في السلوك اللفظي: الاختيار والتأليف)). ثم يتابع ياكويسن تعريفه لهذه العملية كالآتي:

            إن الاختيار ناتج على أساس قاعدة التماثل والمشابهة والمغايرة والترادف والطباق، بينما يعتمد التأليف وبناء المتوالية على المجاورة. وتسقط الوظيفة الشعرية مبدأ التماثل لمحور الاختيار على محور التأليف. ويرفع التماثل إلى مرتبة الوســيلة المكونة للمتوالية. ويوضع كل مقطع، في الشعر، في علاقة تماثل مع كل المقاطع الأخرى لنفس المتوالية؛ ومن المفروض أن يكون نبر الكلمة مساويا لنبر كلمة أخرى: وعلى نفس المنوال، تساوي الكلمة غير المنبورة الكلمة غير المنبورة، والكلمة الطويلة(تطريزيا) تساوي الكلمة الطويلة، والكلمة القصيرة تساوي الكلمة القصيرة: ويساوي حد الكلمة حد الكلمة، وغياب الحد يساوي غياب الحد؛ والوقفة التركيبية تساوي الوقفة التركيبية، وغياب الوقفة يساوي غياب الوقفة. إن المقاطع تتحول إلى وحدات قياس، ونفس الشيء يقال عن المجتزءات والنبور.([2])

           ذلك بالضبط ما يفعله امرؤ القيس في بيته الشعري، وهو يقوم بذلك على المستويات اللغوية الأساسية الثلاثة: المستوى الصرفي والمستوى النحوي والمستوى الصوتي.

          على المستوى الصرفي، يعبر الشاعر عن التماثل بين الحركتين المختلفتين من خلال التناظر الصرفي في وحدات البيت اللغوية (لأغراض التحليل سوف نقسم البيت إلى الوحدات اللغوية الآتية: 1- مكر مفر  2- مقبل مدبر  3- معا  4- كجلمود صخر حطه السيل من عل). فنجد إن كلمات الوحدتين الأولى والثانية مبنية بناء صرفيا وفق مبدأ ياكوبسن الآنف وهو مبدأ  التماثل لمحور الاختيار الذي تسقطه الوظيفة الشعرية على محور التأليف. فكلمتا الوحدة ((م كر رم -  م فر رم))(سوف نرسم الكلمات رسما صوتيا تظهر فيه الأصوات حروفا وحركات) تتألف كل منها من ثلاثة مقاطع متناظرة في عدد الأصوات الصحيحة(أو الصامتة) وهي خمسة أصوات في كل منهما وعدد أصوات العلة (الفونيمات الصائتة) ثلاثة في كل منهما. فكلتا الكلمتين تتناظران تناظرا صرفيا تاما ليس في عدد الحروف وترتيبها فحسب بل أيضا في عدد وترتيب الأصوات الصحيحة والعلة في كل منهما ولا تختلفان إلا في حرف أو صوت واحد وهو الصوت الذي يشكل نواة كل منهما أي الكاف في الأولى والفاء في الثانية، وهو الفارق الذي يجعل الكلمتين تختلفان في دلالتهما المعجمية(أي المعنى) فقط.    

         ونجد في كلمتي الوحدة الثانية ((مق ب لم - مد ب رم)) التناظر التام ذاته، والفارق هذه المرة هو بين صوتين هما الصوت الثاني في المقطع الأول(من كاف إلى دال) والصوت الثاني في المقطع الثاني(من لام إلى راء) لكل من الكلمتين على التوالي وهو توال له دلالته إذ أن كلا منهما يغلف المقطع النواة في كلتا الكلمتين وهو المقطع ب (الباء والكسرة) الذي يشكل هو ذاته نواتي الكلمتين معا. والفارق الآن يشكل تنويعا أو تغايرا على الفارق بين كلمتي الوحدة الأولى، وهذا له دلالته الصرفية وبالتالي الوظيفية إذ أن التناظــر بين الكلمتين في الوحــدة الأولى يقابله تناظــر بين كلمتي الوحدة الثانية أولا ويقابله تنويع تناظري بين الوحدتين الأولى والثانية وبالتالي فالتناظر مضاعف.  

       ويتحقق هذا التناظر على المستوى النحوي أيضا، فكلمتا  الوحدة  الأولىهما صيغتان من اسم الفاعل على وزن اسم الآلة مفعل-بكسر الميم وفي الثانية هما أيضا اسما فاعل على وزن مفعل-بضم الميم) والكلمات الأربع تشكل من حيث مواقعها الإعرابية متوالية من النعوت تصف الموصوف المذكور في ما يسبق من أبيات القصيدة وهو الجواد. وهذا التناظر النحوي يضيف مزيدا من الدلالة الوظيفية على التناظر الذي تحقق على المستوى الصرفي آنفا. فالتماثل الذي يتحقق الآن –أي على مستوى البنية النحوية—يؤكد مرة أخرى تعدد وتغاير أوجه التماثل داخل كل وحدة  وبين الوحدتين  مقابل فارق واحد لا غير هو ذاته من حيث القيمة داخل كل وحدة من الوحدتين من جهة وبين الوحدتين كلتيهما من جهة أخرى. فالكلمتان في الوحدة الأولى متماثلتان صرفيا ونحويا والفارق الوحيد بينهما هو الدلالة المعجمية وكذا الحال بالنسبة للوحدة الثانية. فضلا عن ذلك فان ثمة دلالة وظيفية أخرى وهي التناظر والتماثل ليس الصرفي والنحوي فحسب بل الدلالي أيضا بين الكلمتين الأوليين والكلمتين الثانيتين لكل من الوحدتين مما يجعل التناظر المتعدد والمتغاير يتحقق مرة بالتماثل ومرة بالتقابل. والتناظر النحوي هذا هو الآخر عنصر تماثل آخر(مختلف) بينما يبقى عنصر التقابل(أو الاختلاف) هو الفارق الوحيد وهو الاختلاف في الدلالة المعجمية فقط.

           نخلص من ذلك إلى إن العناصر التي يتشكل منها ما يسمى في التراث النقدي العربي بالجزالة( أو ما يسميه ياكوبسن بمعيار التميز في الأداء الشعري)تكمن جميعا في حقيقة إن كل زوج من زوجي الكلمات في الوحدتين المتناظرتين المتقابلتين يقدم أو يعرض(ولا أقول يصف أو يصور)حركتي الجواد المتعاكستين المتضادتين على أنهما حركة واحدة. فالتضاد يتحقق في عنصر واحد وهو عنصر الدلالة المعجمية. أما التماثل فيتحقق في عدة عناصر كما بينا تحققها على المستويين الصرفي والنحوي.

          إن عناصر التماثل والتضاد هذه تمثل خاصية من أهم خصائص اللغة الشعرية ألا وهي التوازي. يعرف ياكوبسن التوازي بأشكاله المتعددة بأنه ((توزيع متناسب للثوابت والمتغيرات))([3]) وهو بذلك يختلف اختلافا جوهريا عن التكرار. قد تبدو البنى التناظرية للبيت مجرد تكرار، إلا إنها ليست كذلك. فالبنية المنمطة(المقولبة) التي تتشكل من الوحدتين والتي تتألف من أربع كلمات مفردة متماثلة صرفيا ونحويا هي البنية التي يصر الشاعر على اختيارها من بين خيارات لا متناهية توفرها اللغة له وهو في إصراره هذا وتحديده للخيار الوحيد من بين خيارات متعددة إنما يقوم بذلك من أجل خلق بنية تكون عناصر التماثل فيها متعددة  ومتغايرة داخل بنية يكون عنصـر التضاد فيها واحدا فقط (وهو بالضبط ما يرمي إليه الشاعر في البيت). فاختيار الشاعر لقالب التوازي النحوي يجعل الكلمات المفردة وزوجي الكلمات في كلتا الوحدتين والوحدتين معا بنى متناظرة متتابعة دون استخدام مثلا الواو أو الفاء أو ثم....الخ ودون اختيار صيغ صرفية أخرى غير أسماء الفاعلين.....الخ من الخيارات المتاحة له (إن افتراض إن الشاعر إنما فعل هذا ولم يفعل ذاك لضرورات الوزن هو افتراض ساذج)، فاختيار ما اختار الشاعر في الوحدة الأولى يوازي اختيار ما اختار في الوحدة الثانية. وغياب الواو أو غيرها في الوحدة الأولى يوازي غيابها في الوحدة الثانية وهكذا فتصبح لعبة الغياب والحضور اللفظية في تناظريتها تأدية (لا وصفا أو تصويرا)للحدث موضوع اللغة الشعرية في البيت وذلك من خلال جعل تتابع البنى المتماثلة تتابعا مطردا يوهم المتلقي(وخلق الوهم التخيلي هنا هو ما أسميناه بخلق الواقع الافتراضي)بأن الحدث موضوع اللغة الشــعرية ليس سلســلة مطردة من الحركات المتماثلة فحسب وإنما هو أيضا حركة واحدة تتشكل من سلسلة مطردة من الحركات المتماثلة. (وهنا طبعا يكون التقابل قد لعب دوره جنبا إلى جنب مع التوازي) وتكون لغة الشعر بذلك قد خلقت واقعا افتراضيا من اللغة وفي اللغة تحولت فيه حركتا الجواد اللتان هما في الواقع الفيزيقي للحدث حركتان متعاكستان ومتضادتان إلى حركة متماثلة واحدة في الواقع الافتراضي الشعري، وهو الهدف أو الغرض الذي حتم على الشاعر خياراته الصرفية والنحوية في السلوك اللفظي الذي اختار للغته الشعرية أن تسلكه.             

           ربما يكون المستوى الصوتي أهم المستويات التي تشتغل عليها لغة الشعر إذ إن الشعر(أو على الأقل الشعر من النوع الذي نناقشه في هذه الدراسة أو الذي نجده في البيت قيد التحليل) هو في أحد أهم عناصره الاستغلال الأمثل للامكانات الصوتية للغة. لاحظنا كيف استطاع الشاعر التعامل مع خياراته اللغوية من خلال تحليلنا للمستويين الصرفي والنحوي تحليلا يوحي وكأن هذين المستويين يعملان بشكل منفصل (وهو أمر لا بد منه بطبيعة الحال لأغراض الدراسة والتحليل) ولا حاجة للقول بأن المستويين يعملان معا وفي آن واحد ولا يمكن الفصل بين الأثر الذي يحدثه كل منهما. وتجدر الإشارة قبل البدء بتحليل المستوى الصوتي إلى أن هذا المستوى يقوم بربط المستويين مع بعضهما ربطا يجعل المستويات الثلاثة تشتغل اشتغالا تكامليا وتفاعليا يترك تأثيره على المتلقي مرة واحدة وفي آن واحد.       

          تتحقق على المستوى الصوتي عدة علاقات تماثل بين كلمتي كل وحدة من جهة وبين الوحدتين من جهة أخرى، فضلا عن نسق الوحدتين معا كمتوالية صوتية متناظرة في التماثل والتغاير. إن متوالية الأصوات التي تتشكل منها بنية التوازي الصوتية في الوحدتين تخلق علاقة تماثل بين زوجي الكلمات فيهما وهذا التماثل هو حسب تعبير وليم أمبسون ((ابراز صوتيphonological foregrounding أو  chiming وهو كما يعرفه  أمبسون  ((أداة لربط كلمتين بصوت مماثل مما يظهر ارتباطاتها المحتملة)).([4]) ويمكن اعتبار هذا الإبراز شكلا من أشكال الانزياح. ثمة أوجه عديدة لهذا الانزياح الصوتي في الوحدتين. فكلمات الوحدتين الأربع جميعها تبدأ بصوت صحيح (فونيم صامت) هو الميم وتنتهي أيضا نتيجة للإدغام بصوت الميم نفسه فيصبح هذا الصامت استهلاليا وختاميا في آن واحد، رابطا كلمتي الوحدة الأولى مع بعضهما وكلمتي الوحدة الثانية مع بعضهما أيضا من جهة، ورابطا الكلمة الأولى في الوحدة الأولى بأختها في الوحدة الثانية والكلمة الثانية في الوحدة الأولى بأختها في الوحدة الثانية ربطا تناظريا ليخلق تماثلا محكما ومتناغما يحدث شيئا مما أسميناه بخلق الوهم التخيلي بحيث يخيل للمتلقي نتيجة لاشتغال هذه الأدوات مضافا إليها الطباق بأن الكلمات كزوجين وكوحدتين تتماثل حتى في تغايرها. ولا يتحقق ذلك التماثل بتناظرية هذا الفونيم الصامت فحسب بل في الغالبية العظمى من بقية الأصوات التي تؤلف زوجي كلمات الوحدتين أي في سبعة فونيمات من أصل ثمانية في الوحدة الأولى وفي سبعة فونيمات أيضا من أصل ثمانية في الوحدة الثانية. وليس الأمر غير ذي دلالة أن يكون عدد الفونيمات هوهو في كل كلمة من الكلمتين وكل زوج من الزوجين وكل وحدة من الوحدتين.        

       أشرنا آنفا إلى إن المستوى الصوتي يساعد على ربط المستويين الآخرين مع بعضهما ويكون هو الآخر ثالثهما بحيث يجري اشتغال اللغة على هذه المسـ،ـتويات الثلاثة معا وفي آن واحد. يظهر

ذلك جليا في قيام لغة البيت بتأدية العنصر الآخر من عنصري الحدث موضوع لغة البيت وهو سرعة حركتي الجواد المتضادتين حتى لتبدوان حركة واحدة باتجاه واحد.     

        هنا نجد هذه التأدية تتحقق في الوزن والإيقاع على المستويات الثلاثة معا وفي آن واحد. فجميع الكلمات أسماء فاعلين كما ذكرنا واسم الفاعل كما هو معلوم يقوم في إحدى صيغه الأعرابية مقام الفعل(كقولك: محمد قادم) والفعل يختلف عن غيره من الصيغ النحوية في انه يعبر عن الحركة. هذا أولا، وثانيا إن الشاعر اختار في الوحدة الأولى من بين صيغ اسم الفاعل وهي عديدة صيغة تعبر عن الحركة المتكررة وتعبر في الوقت ذاته عن المبالغة وهي صيغة المبالغة لاسم الفاعل على وزن اسم الآلة مفعل. وليس خافيا ما تؤديه هذه الصيغ من وظيفة في اللغة الشعرية وهي هنا محاكاة سرعة الحركة، أي حركة الجواد.([5])      

       من جانب آخر، فان غياب الروابط بين الكلمات يجعل البنية النحوية تساعد على تأدية السرعة من خلال غياب الوقفات فلا تعيق سرعة البنية اللفظية المتحققة مما يجعل البنية الصوتية عبارة عن سلسلة فونيمات متسارعة ومتدفقة مما يخلق عند المتلقي الإحساس بأنها حركة واحدة وليس حركتين باتجاه واحد وليس باتجاهين. ثمة عناصر صوتية أخرى تعزز وظيفة هذه البنية الصوتية وهي الإدغام الذي يزيد من تكرار الفونيم الصامت الميم وتكرار الفونيم الصامت الآخر الراء الذي هو بطبيعته صوت متحرك فضلا عن ان الفونيمات الصائتة (الكسرة والفتحة والضمة) المتماثلة والمتناظرة في بنية التوازي والتكرار والمقابلة جميعها فونيمات قصيرة.       

          تجدر الإشارة هنا إلى أن أنساق التماثل هذه هي أنساق تماثل تناظرية في كلتا حالتي التماثل والتغاير ، أي انه عندما يحدث التماثل تاما أو جزئيا يتحقق التناظر، وعندما يحدث التغاير تاما أو جزئيا أيضا يتحقق التناظر أيضا. وهذا يعني إن التماثل يحصل حتى عندما يكون ثمة تغاير. وهذا هو التوازي على المستوى الصوتي كما عرفناه آنفا من انه توزيع تناسبي للثوابت والمتغيرات. ففي النسق النبري  مثلا نجد تناظرية بين المقاطع المنبورة داخل كل وحدة وكذلك بين الوحدتين. فعندما يقع النبر على المقطع الثاني من الكلمة الأولى في الوحدة الأولى فأنه يقع أيضا على المقطع الثاني أي المقطع ذاته من الكلمة الثانية في الوحدة ذاتها. وهذا تماثل تام. وعندما ينتقل النبر إلى المقطع الأول من الكلمة الأولى من الوحدة الثانية(أي عندما يحدث تغاير) ينتقل النبر بدوره ليقع على المقطع الأول أي المقطع ذاته من الكلمة الثانية في الوحدة الثانية فيحدث التماثل في التغاير.      

        نخلص من ذلك إلى أن الوظيفة الشعرية التي تؤديها اللغة في وحدات صدر البيت تتم من خلال جعل اللغة الشعرية تحاكي في بناها اللفظية التناظرية والتقابلية والتوازوية على المستويات الثلاثة الحدث الذي تعبر عنه لا من خلال وصف أو تصوير ذلك الحدث. ففي الواقع الحقيقي لا يمكن أن تكون الحركتان حركة واحدة إلا إن ذلك يصبح ممكنا في الواقع الافتراضي التخيلي الذي تخلقه اللغة في أدائها الحدث أداء لفظيا.      

       فاللغة الشعرية هنا تخلق واقعا لفظيا قائما بذاته لا يصف أو يصور أو يحاكي....الخ فحسب بل يكون يديلا لفظيا(افتراضيا) لواقع فيزيقي لحدث حدث أن اختاره الشاعر ليكون مادة أو موضوع بيته الشعري.

المصادر والمراجع

 

1-   امرؤ القيس. الديوان. بيروت: دار صادر، 1966.

2-   ابن عقيل شرح ألفية ابن مالك، تحـقيق محيي الدين عبد الحميد، جـ2 القاهرة/1966.

3-       رومان ياكبسون, قضايا الشعرية. ترجمة محمد الولي ومبارك حنون، الدار البيضاء:دار توبقال،1988.

4-   Empson, William.   Seven Types of Ambiguity 2nd  ed.(London: Chatto and Windus, 1947.

5-   Jackobson, Roman. “Grammatical Parallelism and Its Russian Facets,” in T. A. Sebeok, ed., Style in Language (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1960).                   


 

([1]) ديوان امرئ القيس. بيروت: دار صادر، 1966، ص 52.    

 

([2])                   رومان ياكبسون, قضايا الشعرية. ترجمة محمد الولي ومبارك حنون، الدار البيضاء:دار توبقال،1988ص 33.

  

([3]) Roman Jackobson, “Grammatical Parallelism and Its Russian Facets,” in T. A. Sebeok, ed., Style in Language (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1960), p. 423.                                

([4])   William Empson, Seven Types of Ambiguity 2nd  ed.,(London: Chatto and Windus, 1947), p.12.

     

([5]) انظر ابن عقيل شرح ألفية ابن مالك، تحـ محيي الدين عبد الحميد، جـ2 القاهرة/1965 ،                  ص ص106-122 .