|
النبوءة
طه الزرباطي / قصة قصيرة
لاتحدثني بهذه الطريقةأيها السيد المجنون، أنسيت
؟ إنني شريكك، توأمك، عبثا تحـاول أن تبرر إسقاطات رجولتك،قصـة مقنعـة
لهروبك ،ستـقول: لمـــاذا وضعنــي القـدر دون غيري،في هذا الوقت
بالذات، لمَ خلقنــي الله فـي هــذه الثيــاب،بهذا الإنتماء وهذا
الإسم، في هذا الزمن؟ أقراني عاشوا سعداء قبلي.
سألت نفسك من ضمِنَ لك سعادتهم؟إنك تريد الهروب؛ حتى لو هربت للموت،
حتى لو متَّ في العراق،ودُفنت بين الرمال المحببة إلى قلبك، حتى لو
إحتفى بـــك الآخــــــرون
وإستقبلوك كبطل ستظل أمام نفسك،أمام تجليات نفسك، خائراً ،هاربا .كفَّ
عن خداعِـكَ
كانت السماءــ في هذه اللحظة ــ تبدو كقطعة مقعرة من الحديد، تـُطبــق
على أنفاسـي،
تتوزع على أطرافها بشكل غير منتظم شعلات باهتة، تهددني بيد تمتد من عمق
السماء، بينما تصبح روحي ليمونة عُصرت بلا رحمة،أبحث عن نفسي، عن
النجوم وهي تتلألأ
في صيف العراق، هناك إذ أستلقي على ظهري وأترك عينـي في هـذا الملكـوت
الرائــع
السرمدي،أنتقل آلاف السنوات الضوئية، في مجاميع عنقودية، بالكـــاد
تدفع لمعانهــا في ليالي بغداد الصافية، أمد يدي وبأناملي المطلوقة في
الهواء، أتابــع آثار درب التبــانة،ثم العقرب،تنظـَمُ إليَّ أنامل نور
الصغيرة،هنــــاك ...تكركر مــع كــل إكتــشاف، حتى أجدَ برجا آخرلم
يتحدث عنه أحد،ربما مشنقة كبيرة، مـــاذا قــلت مشنــقة؟! أم أن صوتا
آخر لاأدري مصدره...ربما من أعماقي أو من ...لا..لاأدري...
عندئذ تحاول أن تـُغلق عينيك عـُنوة، تصبح أهدابك أقرب إلى باب مغارة،
لاتـُفتح إلا بترديد المفتاح السحري لباب الطِلِسم .
لاتهمني ذكرياتك التي تتفنن في سردها،محاولا تغيير بعض أجزائها،تـُقدمُ
لقطة تحذف أخرى،تؤكد على حركة،تزّمُ شفتيك على حرف ملتوي يخرج بين
أسنانك، تسْــكن حرفا آخر، عندما تمد الخيط بين الفـُرضة
والشعيرة،الخيــط الوهمــي،هنــاك خـلف الصــخرة الجبارة،تتوقف اللقطة
بلُعبة منك،رغم أن إبداعك أو مكرك لم يعد ينطلي، وأنت نفسك لم تعــد
كمــا كنــت، شـــيء مـا بدأ يتكــور في داخـلك،ورم سرطاني،إنهيار،شيء
ما سقط بداخلك،عندما ينام رأسك المتعب فوق الرشاشة لحظة التسديد،تحتار
أين تضـــع شاربيك الغليظتين،وبين حيرتك إلى حين إيجاد مكان لشاربيك،
تكون قد وفرت وقتا كافيا لإختفاء الطريدة أو العدو،يضحك الجميع، تقهقه
تدوي ضحكتك، تفتــل شاربيـك في تبجـل،بينمــا تأتي كركرات الأطفال
متأخرة بعض الشيء،عندئذ تتوسل إليك النظرات،تطالبك بالمزيد وأنت تـُلقم
ذاكرتك، تقلب الأفكار في رأسك ترتب ألأحداث،بينما تلعـــب
أصابعــك،تقلب مكعبات الجمرفي الموقد فتشتعل وجنتاك، بينمـا تتــوزع
النظرات المنتظرة بين أنامـــلك التي تفتـل شاربيـك الآن، ووجهــك الذي
يستقــر في راحتيــك، وجه كله شــارب، تغطي إبتسامة مبهمة لاتعني سوى
فصلاً آخر من مسرحيتك الميلودرامية .
والآن وحدك منذ أن قررتْ بوصلتك الإنتحار، وقلبك الهرم يلهث ليواكب
خطواتك، لن تستطيع إضحاك الآخرين بوجهك الذي لو يعد وجهك، حتى لو عدت
إلى الوطــن فسوف تجلس في زاوية شارع ما،تجترُّ الذاكرة،فبل أن يشي بك
أحدهـم ،فتصبح في خبر كان...
نعم(إنعام سي والي) إختار العراق، هرب إلى الداخل مرتيـــن مرةعندما
فضل العراق عليكم، ومرة عندما إعتكف،أما أنت (يا سي والي) فقــد ألقـوك
أنــت وعائلتــك، دفعوك، ركلوك،سقطت على أرضية السيارة العسكرية أمام
الجميــع، سكــتَّ،مثلتَ دورالمُــغمى عليــه، لكـن هـذه المرة لم
تنطلِ ِلعبتـك على أحـد ،كدت تموت خجلا ؛بل ذلا ً أمام عيني حسن، ونور،
وزوجتك ، أمام الجميع ركلوا كبرياءك، داســوأ هيبتــك، لم تقـو على رفع
رأسك، إتكأتَ على حوض السيارة قي تلك الطرق الوعرة حيث تقفـز السيارة
العسكرية.
إرفع رأسك إرفع، إختبار آخر (يا سي والي) هل خذلك إنعام ،هل خذلكم،أم
إختار؟بينما
تخذلك الأبوة مرة أخرى، تحطمتَ منذ هــذه اللحـظة. لاتحـدثنــي بعــد
الأن ، كيف كنت ترتقي القمم العصية،وأنت تحمل سلاح (آر.بي.جي)هكذا
إخترعت ترنيمـــة؛بل إنــشودة الإرتقاء،هناك في الدروب الوعرة، مع
رفاقك عندما توحدت الرجولة بالأمـــل،والأمـــل بالدعاء،كما كنت تقول
وتكرر ، هكذا هِمْ...هِمْ...هِمْ مع كل خطوة، وهم جميعا كالكورس
هِــم...هِــمْ..حتى غدت إنشودة الإرتقاء، كنت تبتدع النكة فكان وجهك
ضحكــــة كبيــرة، كــان بإمكــانـك تحـويـل مجـالس العـــــزاء إلـــى
مسرحيـــة فكـاهيـــة لــِذا منعــوك من حضــورها وإعتبروا فضــلك
واصلا مع التقديــر، والآن هجروك ليضعوا حدا لجموحك وأنت اليوم وكلما
وجدت الدموع طريقا إليك، تهــرب إلى مرتفعات (بي ستــون)* هناك حيث
الخلوة، تبكي، تفرغ مابجعبتـك،تراقــب النــجوم التي تنتــمي إلى عالم
آخر، فدرب التبــانة لـيـس هــو ، ولا برج العقــرب ، ولا الجوزاء ،
ولا الدلــو، هــذه سمـــاء أخرى صفيحة مقعرة تحاول خنقك، تعصر
روحك((حســن)) يبيــع السكائــر فـــوق الأرصفة، تساعده((نــور)) فهما
أشبه بمتسوليــن صغيــريــن منهمــا إلــى بائعـي سكائـر، وأحيانل
يغسلان السيارات، أو يبيعان الفاكهة،بينما يتلقفان الشتائم والكلمات
الفجة عراقيون .....
عودوا إلى وطنكم..متسولون)) .
السنــوات أكلــت عمـــرك ، الحيرة ، العــوز، كنت تحفر الأرض،لكي تؤمن
مستقبل العائــلة ؛ لكنـــك اليــوم لاتمــلك تصريح عمل،تأكل ما يجود
به(حسن ونور)اللذان كبرا سريعا، وجهان قاسيان لم يسعـهمــا الإبتسام
إلا مجاملة لنظراتك المتوسلة وأنت تستجدي ضحكة،لست فزاعة ولست مهرجا،
يعصــرك النحيـب، كلما إستفاق في ثنايــا ذاكرتــك،
عطرإنعام،عنــدماإرتدى ملابسه المدرسية،وأحكم الحقيبة المدرسية،وددتَ
لوضممته إلى صدرك، لكنهــم علمــوك أن الأبوة تعني أن تكون فجا غليظا
((إياك أن تبدو ضعيفا أمام صغارك......ماذا تركت لأمهــم إذن؟)) مــا
زالت نصائح أمك ترن في أذنك..تمنيتَ أن تعانقه، تقبلَ وجنتيه، وتملأ
ذاكرتك ؛بل روحك بعطره،زادا لأيام غربتك،ومحنتك،فتحت ذراعيك في
الهواءلكنك للحظة وأمام لسعـــات نظرات زوجتك الحادةعدت إلى رجولتك،
إلى حدتك المصطنعة.
لكنك في لحظة ...فــرت منــك بعض من الكلمــات إبنــي حبيبـي،بينما كان
يهم بالخروج سعيدا بملابس المدرسة،هاك (خرجيتك) ولسبب نجهلـه أنا
وأنت،ركــض، وفتــح يديــه، ضمــك بقــوة، فتنفسنا عطره؛رائحة الأرض
البكرعندما ينث عليها أول الغيث،أو رائحة القــداح مــن تويجيات
الرارنج..شيء دافئ أبوي،مزيج من البخور والرازقي.
أتذكر ياشريكي كيف تمتعنا بحروفه الأولى البكـر، وصراخه الذي أثلج
صدرك،فملأت
عينيك منه،وملأت سمعك من صوته( موطني ....موطني..هل أراك سالما
منعما...)ومنذ
أن غنى وملأ الحوش صداه،أخبـــرك صــــوت ما،شـــعرت بنبضك يعلو،شاهدت
حمرة خديك، لكني هدأتـُك كعهدي صــوت ما تــردد مــرارا، أدركــت
مصيره،نما حبه الأول والأخير،إغتبطتَ عندما سماه المعلم(الوطني الصغير)
قلت مـــع نفســـك في حبــور؛بـل الوطني الكبير .
في ذلك المساء شعرتُ بنداء يدعوني، ثمة صرخة تنمو بداخـلي،شــيء
كالدوار،شـــيء
كالإعصار،هربت بعيدا،نزقا،جامحا ،مجنونا .
ذهبت إلى خلوتك إلى (بي ستون)* شعرْتَ للحظة أن قلبك سيخــرج من سجــن
فقصــك الصدري، فإستسلمتَ للنواح، حرقة بكاء متقطع،كأنك تنزف دمك
وصرختَ فجأة:
ــ أيْ هوار......
ــ أي هوار...أي هوار ......*
عندئذ ٍقررَ بلا رجعة،أنا أعرفه...سيذهب إلى الوطن إلى العراق،وسيمر
على رفاقه في
(كوردستان) سيساعدوه، رفاقه الذين تقاسم معهم الدروب الشاقة،والليالي
الحالكـة، قـــال مع نفسه بثقة ((سيساعدونني)) في الوصول إلى بغداد،
سأزور قبر إنعام، كان قــد ألجـَمَ كل الأسئلة في سعيه للوصول،كما أقفل
كــل الأبـــواب التـــي قــد تمنـعه ، أو تهــزَّ مــن عزيمته،تحت
تأثير النداء المبهم، في لحظــة فاضت شجونه فبحث في موسوعته فلم يجد
سوى((تـفـنـك))* وبصوته الأجش، بدأ كأنه آلة حادة تفتح طريقا في
الجبـــال.....رفــــع عقيرته:
ــ تفنك دردت وَ جونم
ــ تفنك بي تو نه مونم
ــ ........................
عنــدمـــاإستقبــله رفاقــه في كوردستـان لم يألفــوه،شيخا هرما،
لاتقوى خطواته على حمله،وعبثا حاولوا أن يُثنوه عما إعتزم،حاولوا بعـث
النكتة من جديد، فلم يجدوا إلا بقايا إبتسامة بلهاء، جوفاء،ماتت ولم
يبق منها إلا آثارها، أدركواسريعا ماذا فعل الدهربرفيق
دربهم،كما أدركوا ربماهذه آخر مساعدة تـُقدمُ له.
بعد أيام قليلة ، إعتلى ((سندباد)) حلمه السحري إلى بغداد، كانت عيونه
تـُقبل كل شيء
شعر كأن أيد خبيثة عاثتْ بالبلد. وصل إلى بغداد،قال في نفسه بحســرة
إنهــا بغـــداد، أم الإنتفاضات، والمناشير والليالي الملاح، سكن جموحه
قليلا، نام نزقه عندما تــآلـف مــع أرصفة بغداد، أزقة (حي جميلة) حيث
منزله.
طرق الباب على (حسن كريم) ليدله على قبر إنعــام،فتــح (حسن كريم )
الباب صـعق أمام صورة هذا الشيخ الهرم...ثم قـال : ــ الله
يعـــــيك....الله يعطــيك . ثم توارى خلف الباب .
ـــ إسمع أنا (سي والي) لآ أريد الدار، ولا العلوة...صدقنــي
....لاأريد أموالي فقط دلني على قبرإنعام...الشهيد إنعام ...
جاءه الصوت مخنوقا خلف الباب :ـــ الله يعطيك...الله يعطيك .......ُم
إرتطم الباب بقوة وللمرة الثانية.
كان إنعام قد قرر البقاء في وطنه ،كما قرر أن يموت فـي العراق كشهيد،
فصار جنديا، وشرك في المعركة التي من المفــروض أن يحـــارب فيــها
أهله الذين صاروا في الجهة الثانية من البوصلة بقــرار،فهـو قد تنبــأ
بموته لأنه قرر الأستشهاد فكان له،وكان قدشـُيع في جنازة مهيبـة،
يلفــه علم العراق، نفذوا وصيته وسط حيرة الآخرين، أن يتـركــوا إلى
جانبه قبراً فارغاً!
وصل أخيرا (سـي والــي)مـلأ عينيــه ، الشـهيد البطــل إنعــام سي
والـي...إستشهد في الخفاجية بتاريخ......
كان يضم القبر تارة، يناجيــه تارة أخرى، يعاتبه حينا، يتوسل إليه آخر
بينما هو كذلك، ربت على كتفه أحدهم قائلا:ــ (سي والي) أنت مطوق، نكسر
رأسك لو قلت كلمة ...هــيا بهدوء... لكنه إبتسم كعهده قائلا وهو
يشيـــر إلى القطعة الصغيرة من الأرض المتروكة بجانب القبر:ــ هذا
مكاني قرب الشهيد (إنعام سي والي)
نهض شامخا عاد إلى عهده القديم، وهكذا ..هِمْ...هِمْ...هِمْ.....بخطى
واثقة ...
______________________________________________________
1ــ((بي ستون)) إحدى قصور الحضارة العيلامية وتعني بلا عمد.
2ــ هوار: نداء إستغاثة في بعض اللهجات الكوردية.
3ــ تفنك : بالكاف الثقيلة أغنية فلكلورية كوردية(لورية) يتغزل فيها
ببندقيته، ويتمنى أن يكون قربانا لها كونها تحميه،ويذكرها بأنها صنعت
لتصيد الحيوانات الكاسرة والأعداء المعتدين ولم تصنع لتجعل بارودها في
صدور الغزلان البريئة.
-------------------------------------
قصة قصيرة
لحظـة أسر / طه
الزرباطي
لم يكن صوتك مجرد صوت تردده الذاكرة،في طقوص العتمــة؛بل نشيـــج
متساوق يصعد كالنفس،لحظة الجلجلة مع صرير المهد،ترانيـم الأم
الثكلـــى،
غصة دفيئة تعصر الروح،ما تبقى في دهاليز الذاكرة التي إدخــرت ذخائرها
الممنوعة..
تغمض عينيك،كأنها رحلة في الأفلاك،هناك عميقاً في دروب لم تألــفها من
قبل،من أنت...؟صوت ينمو،فجأة تعود متألما مثل(لحظة فلاش باك) الــى أين
الى الوراء؟ تبتسم،تتفتح أساريرك،تغني الذاكرة أغنية الغنج:
(يوم ما الصدقة إجمعتنا كلت أنه هذا هواي
وأبتديت أرسم أماني فيها أحلامي اومناي)*
صوت ليلى،ضحكاتها،تدوي،تجلجل،،تسترسل فـي همسـة حــب تكـركـرلـه
عصفورة قلبك الأسيربأمان من يدري كيف تنتهي كيف ؟
صوت غير محدد الإتجاه،يملأ سمعك،على خطى الموت المبـــهم،أراك في
ثوب العرس،اوخلف الميكرفون،شعرك الكستنائي،ليل روحي،قصيدة شعري
هنا الملم رماد الرجال،يجلجل صوتك،يحتار الجمهورأين يركـزعيونه،يتمتـع
بصوتك،الأنثى،عينان كالأفق لاينتهي،صوتك يخبئ إمرأة من نــار،تدخليـــن
كل القلوب،عرشك في كل ذات،لا...لا..لا اغار..فقط أحتار متى أصفـق عند
أول القصيدة ،عند نهايتها،عندما(تموت الأشجار واقفة)**
أوعندما...(أبوسُ الأرض تحت نعالكم ...
وأقول أفديكم........ ) ***
يهجر القلب لهاثه،أقبل وجهك الذي يعتريني،فيخمد القلب،يخمد المـوت ،حتى
يستدركني الصمت،كلياليَّ هناك..عند الحرب،تخيّل هذا الصمت
الملعـون،يأتي
فجأة ـ حتى الأعداء يعتليهم الصمت ذاته،يمتد عصوراً،في خوف
وإنتظار.....
ما أحوجني اليك،أستلهم صوتك في أعماقي،حتى تتحد جمرات الرغبة بصوت
روحك:
(شاري...شاريني ..منزلك عيني.......
تـــــــالي بايعني يحفظك الله............)*
يئن الليل،عندإستفحال هذا الصمت،كأن ملايين الذرات،آهــات،صوت يمتــد
كأنين دافق لنهر عاشق وحزين(جزمان، شورآو)****يمســد ليـلك،مراهقتـك
يهفو قلبك،لنخلة تموت على الطريق،تموت وعلى أطرافها طير نسي َالطيران
في لحظةالموت تلك.تضمك ليلى وإصبعها يحط على الطير(إنه أنا أنقــذني...
حبيبي..شهاب....) فتقشغر كسعفة،تذوي،تئــز رصاصة،تمزقُ بكرية حلمـــك
،تلعنك،يختبئ القلب،يصبح مجنزرة،دبابة،قبُرة،همساً ناعماً،سحراً:
(وأنت....بايعني.....يحفظك الله....)*
خلف نخلة،لم يكن الغدر قد إصطاد(جوبشتين)بعد،كـان يغـرد،ليس كنهر،بــل
كطفل،كلمسة حب،على الأغصان اللاعجةطربا،لم يكــن الغدرقدأسر قلبي،أقبل
هواك،يركض القلب،يتعفر بالمدى،يلامس ...ليـلى...ليـلى...:قلبي قبرة
تلهو في مراسيم وجدك المقدس.تلهو..تذعر..ترمقنا،تبادلنا الغزل
...آه..روح ليلى.....
تمر الشظايا خلل صوتك الراعش:
(عينـــاك غابتا نخيل ساعة السحر
أوشرفتان ..راح ينأى عنهما القمر)*****
قبل أن تعزف الشظايا على نيـــاط القلب،وقبل إحتـراق آخر نخلة في صحراء
دمي (يوم ما الصدفة إجمعتنا ..........هذا هواي)*.
ــ أنا لاأحبك..أين أنت الآن ..لسـت أنثــاي، انا لا أقدس الحلـمة
المشرئبـة فــي
خجل؟
ــ وأنت لست صوتا هادراً،عندليباً،لست حبيبي ..شهــاب..لسـتَ
تتمتـي،نسغـي
ولست غبطتي (مو هواي)أنت بدايتي ،ولادتي،خيمتي،انت:
(وابتديت أكشف هواك...بعد ما كلبي هواك
ما دريت إنك بتخدعني...وتتسله إبفؤادي
شـــاري ...شــاريني....منزلك عيني.......)*
أنا لـم أنســك لحظـة،عند قنطرة(كنطرة) العشاق،عنـد المطحنة
القديمة،عندما
كان (شفيق)ينفق روحه في الناي،هناك إذ تتزاحم العصافيــر علــى
الرارنجــة
،تتمتع بسمفونية السمو،بلبل طروب ينتشــي بخمرة مشمشـــة
يانعــة،تنفــــرط
حباتُ الصمت،الصمت ليس سواه...فجأة يشــرب المدفــع أنيـن النــاي،
سكـون
خلف المتاريس،دوي عمـلاق،وشوشــة الشظايــا تمــرق
كالسكاكيــن،تذبحنــــا
أنامل (شفيق) تحوم في الهـــواء ،فلا تجــد نايهـا،لتعــزف
مرثيتها،مرثية ليلى
مرثية النخيل،والمطحنة،وقنطرة العشــاق،مرثيــة حبنـا....مرثيــة
مدينـــة......
مدينة تلوكها الحرب على مهل،تمزق حلـــم ليلــى،حلمتيــها،عطـر
نهديها،نسغ
الرمان،يصفقون...تطرد ليلـى البـارود..يصفقـون ....لشِــعرك
...وشَعــرك....
وصمتك....ولنشوتك...لآهتك....موتك الآسر...
بلـغ(جزمان)*ما بلــغ،رفض أن يكون نهراً بعد اليوم...لفظ
ماءه..بعدمـــــا
عاثوا في مراسيم صمته.
***
عندما طوقنا الجنود،كنــت لــم أزل في طــراوة حلمي..ليلى..أشرب
نفســك..
أتفيأ بسعفــة هدبــك،أشرب
الرضــاب...أنتشي..ليلى...ليلاي...شهابك..تأسـره
الحراب،يغوص في لجــة الظلمــة فــي أرض ليست لـه،ركلـوني..تصورونـي
مجنونا..رسم بعضهم علامات شكهــم بجنوني،تركوني أمــلأ راحتــي بتــراب
العــراق..وثقوني..وحيث تبتعـــد السيـــارة العسكرية،تغرورق
عيوني،صوتـك
أسمعه(حتى الظلام هناك أجمل ...فهو يحتضن العراق....)*****
هنــاك إذ ذبحــوا النخيــل،كنـت أمـعن النظر،أمعن الصــوت،يردد
المـــــكان
صمته ليس صمتاً...نغمات لهاث،نســغ يصــعـد لأرض تحتـرق وليس بمقدور
(جزمان)أن يفعل شيئاً،إطفاء بهجتك وأنت تئن
كالليل...ضمينـي.....ضمينـي...
عانقي عبق التراب،وكشكول غربتي وأسري ...ليلى...ليلى
.._______________________________________
*مقاطع لأغنيـة (خليجية) لعبــد الكريــم عبد القادر
**مقطع من قصيدة لناظم حكمــت (شاعر تركي)
***مقطع للشاعرتوفيــق زيــاد (شاعر فلسطيني)
****(جزمان ،شورآو ، جوبشتين) أسمــــاء أنهر
كانت حتى الحرب تجري في شرق العــراق حتــى
دفنتهاآلات الحرب (الصديقة) خلال حـرب الثماني
سنوات ولم يتذكرها أحد هي وأشجــار الـرمــان..و
النخيل.
*****مقاطــع من[قصيدتــي إنشــودة المطــر، و
قصيدة غريـــب علــى الخليــج للشاعـــر العراقــي
بدر شاكر السياب]
طه الزرباطي
هذه القصة كتبت عام 1982 ولم تر النورإلا في
منتصف عام 2003....12/10/2006
|