تأملات في كتاب مهزلة العقل البشري للدكتور علي الوردي(1)

علي ماضي
alimadhy67@yahoo.com
 

يشار إلى كل من ماركس وفرو يد على أنهم من أعاظم علماء القرن التاسع عشر ليس لأنهم قدموا نظريات علمية صحيحة تماما لا تقبل النقض أو الدحض،فقد أثبتت الكشوفات العلمية المتوالية عدم دقة وصحة الكثير مما قدموه ،ولكن أهميتهما تكمن في أن ماركس هبط بالفلسفة من السماء إلى الأرض ، وسلط الضوء على صناعة مهمة ألا وهي صناعة التاريخ ،والمواد التي يصنع منها ،وفرو يد سلط الضوء على اللاشعور ، وأستطيع القول أن احدهم أضاء عتمة خارج الإنسان والآخر أضاء عتمة في داخله.
ويصح أن نصف المرحوم الدكتور علي الوردي بأنه من أكثر علماء الاجتماع العراقيين أهمية ،لا لكونه قدم بحوثا ونظريات صحيحة فحسب ، بل لكونه هبط بعلم الاجتماع من أروقة الأكاديميات ، إلى أزقة وشوارع الناس . وسلط الضوء على علل وأمراض الشخصية العراقية من الناحية الاجتماعية ، وبالتالي إمراض وعلل المجتمع العراقي .
وقدم في هذا المجال كتبا ودراسات وبحوث ومقالات عديدة ، امتازت بشمولية الخطاب فيها حيث قدم نظريات متقدمة بأسلوب مبسط يفهمه غير ذوي الاختصاص ،وتعكز فيها على أمثلة من تاريخنا الإسلامي وتاريخ العراق الحديث والمعاصر، ويستطيع من يتمعن في عنوانين مؤلفات الوردي ،أن يلاحظ أنها تناولت مواضيع ذات مساس مباشر لحياة الإنسان.
، ومن مؤلفاته :
1. دراسة في شخصية الفرد العراقي : ناقش فيها العوامل المؤثرة في بناء الشخصية عموما،والشخصية العراقية خصوصا.
2. وعاظ السلاطين: ناقش فيه تأثير الخطاب الوعظي في إصابة المجتمع العراقي بازدواجية الشخصية كما انه لم يغفل باقي العوامل كالصراع بين البداوة والتحضر ،والتناشز الاجتماعي بين الرجل والمراءاة في العائلة العراقية .
3. دراسة في طبيعة المجتمع العراقي
4. لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث: كتاب بعدة أجزاء حاول من خلاله دراسة اثر الحوادث التاريخية ،في السلوك الحالي .
5. أسطورة الأدب الرفيع : انتقد فيه الخطاب الأدبي ، واستهجن أن يكون الأدب للأدب ،وشدد على أن يكون الخطاب الأدبي موجها للإنسان .
6. خوارق اللاشعور: حاول من خلالها تسليط الضوء على اللاشعور ، وأعوز أسباب النجاح والفشل إلى المنطق المغروس في اللاشعور ،ولفت الانتباه إلى ضرورة دراسة التجارب الفاشلة ،ودراسة أسباب الفشل ، بدلا من التركيز على التجارب الناجحة فقط.
7. الأحلام بين العلم والعقيدة .
8. مهزلة العقل البشري :محاولة في نقد العقل العربي الذي ما زال يعتمد على المنطق الأرسطوي ، والقضايا الفلسفية ،بدلا من اللجوء إلى العلم ،كما سيأتي تفصيله في القراءة المتواضعة التالية في كتاب مهزلة العقل البشري.

مقدمة كتاب مهزلة العقل البشري

أشار فيها الدكتور الوردي إلى أن كتاب مهزلة العقل البشري أُلف على مراحل شتى ،وانه ظهر كرد فعل على ردود الأفعال التي ظهرت على كتابه وعّاظ السلاطين.
لذا كرس المقدمة على المقارنة بين المنطق الفلسفي القديم ،و المنطق العلمي الحديث ،حيث يقول(لقدأُلِفت خمسة كتب في الرد على كتاب وعاظ السلاطين،وذلك عدا المقالات ......... ويحتم الواجب أن اشكر أصحابها على ما تجشموا من عناء البحث والتأليف.
لست ادعي إني اصح منهم فكرا فالحكم في هذا أمر صعب ،فليس لدينا مقياس عام يقبل به الجميع لنحتكم إليه،فالمستقبل هو الذي سيكشف عن مبلغ الصواب في تفكير كل فريق(( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض))1 .
وهنا لابد أن نلفت الأنظار إلى أن الدكتور الوردي من خلال اقتباسه آية (( آما الزبد..........))فأنه يتبنى المذهب النفعي(البرغماتي)،كمذهب فكري، والبرغماتية تفضي بالضرورة إلى الأيمان بنسبية الحقائق ، وهذا بدوره يفضي إلى الاستناد إلى البيانات الإحصائية ،لإقرار صلاح القضايا من فسادها،كما انه يشير من طرف خفي إلى أن المبدأ البرغماتي مقر في النص القرآني.
في حين يستند من يصفهم بأرباب المنطق القديم على القضايا الفلسفية ،حيث ينقل الوردي قولهم(أن الفلسفة أفضت بالفكر إلى غايته،وما العلوم الحديثة إلاّ تكرار مشوه لما جاءت به الفلسفة القديمة)2 . كما انه ينتقدهم لكونهم يعتقدون بما يعرف بقانون الوسط المرفوع ،حيث يقول في ص9(...فهم يدرسون الظواهر الاجتماعية على أساس التعارض بين الوجود والعدم فيها،وهذا ما يعرف عندهم بقانون الوسط المرفوع) .ويعقب في نفس الصفحة مقارنا بين المنطقين بقوله)والباحثون المحدثون لا يؤمنون بهذا القانون،فليست لديهم ثنائية منفصلة يتراوح الشيء فيها بين الوجود والعدم وهم حين يدرسون آية ظاهرة اجتماعية يراعون فيها نسبة التزايد والتناقص)3.
لذا تراه يفصح بكل وضوح بقوله: (أنهم يكتبون بواد وأنا اكتب بواد) ،ولكنه في ذات الوقت لا ينكر ما للفلسفة القديمة من فضل ، كما يشير إلى ذلك حيث يقول:( لا يجوز أن ننكر ما للفلسفة القديمة من فضل في تقدم الفكر البشري .ولكن اعترافنا هذا لا يمنعنا من التطور بأفكارنا حسب مقتضيات الزمان الجديد)4.
ويعرف الدكتور الوردي التجديد على انه لا يعني التمشدق بالمصطلحات الحديثة ،انه بالأحرى تغير عام في المقاييس الذهنية التي يجري عليها المرء في تفكيره.
ثم يتناول بالتحليل والمقارنة نموذج من القضايا التي أثارت حفيظة المعترضين على كتابه وعاظ السلاطين،حيث يقول:( قلت في الصفحة 9 من وعاظ السلاطين أن الانحراف الجنسي يزداد بين الناس كلما اشتدت عندهم عادة الفصل بين الجنسين ،فلم يفهم إخواننا هذا القول،وسخروا به ،وكان دليلهم في ذلك أن الانحراف موجود في جميع البلاد شرقية وغربية ،وجاءوا بأمثلة تدل على وجود الانحراف الجنسي في المجتمعات التي لاحجاب فيها وذكروا أن معظم العواصم الأوربية نواد وجمعيات خاصة باللواط)5.
ويعقب الدكتور الوردي على دليل الخصوم بقوله: ( أن دليلهم هذا واه من أساسه .. لأنني لم اقل بان الانحراف الجنسي معدوم في البلاد التي لا حجاب فيها ،إنما قلت بان نسبته تقل في تلك البلاد. وهذا أمر بحثه العلماء ووصلوا فيه إلى نتائج تكاد تكون قاطعة.أن الانحراف الجنسي لا يمكن التخلص منه في أي مجتمع مهما كان .يقول الأستاذ هافلوك الس المختص بالأبحاث الجنسية : أن هناك اثنين بالمئة من الناس مصابون بالانحراف الجنسي طبيعة لا اكتساب .وسبب ذلك يرجع إلى وجود نقص في تكوينهم البيولوجي . فهم ميالون بطبعهم إلى الانحراف الجنسي من تلقاء أنفسهم حتى لو أحيطوا بالحسان الكواعب منذ صباهم الباكر..........والباحثون الاجتماعيون لا يهتمون بهولاء بقدر اهتمامهم بأولئك الذين يكتسبون انحرافهم الجنسي بتأثير ظروفهم الاجتماعية ،وقد وجد الباحثون أن نسبة هولاء تزيد بين
1. البحارة الذين يقضون فترات طويلة في البحر بعيدا عن النساء،كتب التاريخ تذكر أن البرتغاليين كانوا أكثر خلق الله لواطة
2. المساجين
3. الجيوش حيث يمضي الجنود فترات طويلة بعيدا عن المرأة،حيث لوحظ انتشار اللواط في ألمانيا قبل العهد الهتلري ،مما دفع بالجيوش الأوربية باصطحاب المرأة معهم في الحرب العالمية الثانية ،كما لوحظ انتشار اللواط في الدولة العثمانية البائدة.وربما نشأت هذه العادة من تقاليدهم العسكرية القديمة ،فكثير منهم كانوا في صباهم من المماليك حيث كانت الدولة تشتريهم من أهاليهم غلمانا صغارا ،فتضعهم في مدارس داخلية ليتعلموا فنون العسكرية ،ولعلهم كانوا يتعلمون أثناء ذلك فنون الانحراف الجنسي أيضا...حتى صارت أمرا مألوفا في ذلك العهد،وأطلق عليها مرض الأكابر.....
4. رجال الدين الذين يعيشون في مراكز دينية تتحجب فيها المراة أو يقل وجودها،وقد نجحت المؤسسة الدينية في ابران من الحد من هذه العادة لشيوع زواج المتعة فيها.
وخلاصة الأمر :أن الانحراف الجنسي ظاهرة اجتماعية معقدة تتدخل فيها عوامل شتى ،وليس من السهل أن نضع لها قانون عاما ،انما يصح أن نقول :بان تحجب المراة وانفصالها عن الرجل يزيدان في نسبة انتشار هذه الظاهرة بين الناس ،ولست اعني بهذا أن الحجاب يخلق الانحراف الجنسي أو يوجده من العدم ،كما ظن الذين نقدوا كتابي)6.

ثم ينتقل الدكتور الوردي إلى استعراض وجهة نظر الخصوم إلى أسباب انتشار ظاهرة الانحراف الجنسي ،ومن ثم مناقشتها،حيث يقول)خصص السيد مرتضى العسكري قسطا كبيرا من كتابه ((مع الدكتور الوردي)) في سبيل البرهنة على أن الانحراف الجنسي انتشر في الإسلام من جرّاء سببين لا ثالث لهما:
1. الأمراء والخلفاء حيث جرهم الترف في الشهوة الجنسية إلى البحث وراء متعة جديدة صعبة المنال،فوجدوها في اللواط بالغلمان.
2. الأديرة المسيحية حيث انقلبت في العهد العباسي إلى حانات ومواخير للغلمان،وذلك في سبيل إفساد المجتمع الإسلامي وإضعاف أمره إزاء الدولة المسيحية التي كانت تتربص به الدوائر آنذاك.
ويقول الدكتور الوردي معقبا على أطروحة العسكري بقوله:(ليس من قصدنا هنا أن ندافع عن أمراء المسلمين أو أديرة المسبحين ،إنما نود أن نقول أن الانحراف الجنسي لا ينتشر بين الناس بتأثير أمير أو دير ،فهو ظاهرة اجتماعية عامة،وربما كان لواط الأمير وانحراف الدير من نتائج هذه الظاهرة لا أسبابها .وهذه من الأخطاء المنطقية التي تعتري((أصحاب المنطق القديم)) حيث يعدون السبب نتيجة والنتيجة سبب،أو يضعون العربة أمام الحصان كما يقول المثل الشعبي المعروف)7.

وينقل الدكتور الوردي عن عبد المنعم ألكاظمي في الجزء الثالث من كتابه من كنت مولاه( انه تفنن في تبيان مساوئ السفور وما يجر من وراءه من ويلات التبرج والخلاعة وآفات الحب والغرام).
يضيف(أود أن ازيدهم علما أن علماء الاجتماع ......بحثوا المساوئ بحثا مستفيضا ...وقد أطلق اليوت على الحب والغرام ((العقدة الرومانتيكية)). وكتب زيمرمان كتابا ضخما شرح فيه الخطر الذي يهدد المدنية من جراء هذا التفسخ العائلي....
ومع ذلك فان العلماء لم يندفعوا بآرائهم....ويطلبوا من المرأة أن تعود إلى البيت أو تتخذ الحجاب من الجديد،وسبب ذلك أنهم عارفون بأنهم غير قادرين على أن يعيدوا عقارب الساعة إلى الوراء..... ويعرفون أنهم لن يخلصوا المجتمع من مشكلاته ،ثم أن وجود المشكلات دافع من دوافع التطور ولو لاها لقنع الناس واستكانوا ووقفوا في طورهم الذي هم فيه.
وهذا مفهوم آخر من المفاهيم الحديثة التي لا يستسيغها أصحاب المنطق الحديث.
من خصائص الحياة اننا لا نستطيع أن نجد فيها عهدا خالي من المساوئ......فمن مساوئ الحجاب حيث كانت المرأة فيه خانعة جاهلة لا تفهم من الحياة الا هاتيك السفا سف والأباطيل التي تنبعث من عفن البيت وضيقه.
والمرأة هي المدرسة التي تتكون فيها شخصية الإنسان ،والمجتمع الذي يترك أطفاله في أحضان امرأة جاهلة لا يمكنه أن ينتظر من أفراده...نظرا سديدا)8.

تعليق على الجدل بين المنطقين
وفي هذا العرض والتحليل يلامس الدكتور الوردي نقطة هامة ،ألا وهي أن أرباب المنطق القديم يسعون بالرجوع إلى الوراء في محاولاتهم الإصلاحية ويعتبرون الأسلاف خير من الأخلاف،لذا يطلق عليهم اصطلاحا بالرجعيين. يروي برييل ليفي عن البيتشاويين9 أنهم جابهوا محاولات تعليمهم زراعة الغلات(كالحنطة والشعير) بالرفض بقولهم لو كانت خيرا لفعلها الأسلاف .
وعلى العكس من ذلك فأن اتجاه حركة الإصلاح في المنطق الحديث تتجه إلى الأمام ،حيث أنهم يجدون حلولا لمساوئ نظامهم الجديد ،المنتج من محاولة إصلاح النظام القديم ،لذلك تراهم في تغير مستمر، لذا يوصفون اصطلاحا بأنهم تقدميون .
كما و ينقل برئيل ليفي في كتابه العقلية البدائية عن المبشرين الذين عايشوا الأقوام البدائية لفترات طويلة ،أن البدائيين يظنون أن الأمور تسير نحو الصلاح،لذا هم يتعاملون مع الحوادث التي ترتكب بسب الأخطاء، على أنها حدثت بسب مؤثر خارجي،ولا يفهمونها على أنها أسباب ونتائج مرتبطة مع بعضها البعض ،ويتخذ هذا المؤثر عدة أشكال حسب عقيدة تلك الأقوام فمنهم من يظن أن الانحراف في مسرى الامور( الشر) يحدث بسبب غضب الأرواح ومنهم من يظن انه يحدث بسبب السحر، ومنهم من يظن انه يحدث بسب الشيطان......
أرى أن أرباب المنطق القديم تعاطوا مع مسالة الشذوذ الجنسي بنفس المنطق ،فهم يظنون،أن المجتمع الإسلامي يسير نحو الصلاح ،وأن أسباب الانحراف الجنسي تتلخص في الأمراء والأديرة ،ولم يفهموها على أنها ظاهرة اجتماعية لها أسباب عدة منفصلة عن بعضها البعض ،وكل منها يؤثر بنسب مختلفة عن الآخر،،منها بيولوجية والأخرى سلوكية مكتسبة،كتلك التي أشار لها الدكتور الوردي،علاوة على ذلك فانهم يرفضون نصائح ذوي الاختصاص في الاصلاح بدعوى لو كانت خيرا لفعلها الاسلاف.
ومن يتمعن في ا لنص القرآني يرى انه تعامل بمنطق النفعية مع الكثير من القضايا الفاعلة والحساسة،ومنها قضية الخمر((يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما منافع للناس ولكن اثمهما اكبر ....)) ، وقضية العبادة (( اتعبدون من دون الله ما لاينفعكم ولايضركم....)) وهذا هو تحديدا مراد المنطق الحديث ،ولكن يبدوا أن بدائية العقل العربي ألقت بظلالها على منطق النص القرآني .
كما يمكن للمتتبع أن يشهد ملامح النسبية في النص القرآني من خلال قصة الصراع الفكري بين موسى الرسول والعبد الصالح ،فالمعروف عن موسى انه نبي، ذو فكرٍ رسالي الهي معصوم، في حين جرد النص ألقراني العبد الصالح عمدا من الهوية والانتماء ،ألا أن نتيجة الصراع بين الفكرين كانت للشخصية غير المعروفة ،على اعتبار أن أطروحته كانت الأقدر على تقديم المنافع في حينها.
وبدل أن يتعامل المسلمون مع هذين النصين وغيرهما من النصوص الكثيرة ،بشكل كان يمكن أن يؤسس لبناء نظرية معرفة متطورة وفاعلة ، ألا أن بدائية العقل العربي كانت حاضرة ولها الغلبة حيث صرفت مثل هذه النصوص باتجاه الخرافة ،وأوغلوا في بحر الفلسفة يمخرون عبابها متخذين المنطق الأرسطوي شراعا علّه يقود سفينة الفكر لديهم إلى شاطئان الحقيقة المطلقة ،وما دروا أنهم أبحروا باتجاه الوهم والضياع.

الخلاصة
ومن كل ذلك نستطيع أن نخلص إلى أن المنطق العلمي الحديث الذي يدعو إليه الدكتور الوردي يتعامل مع الظواهر الاجتماعية على إنها:
1. على إنها ملازمة لوجود المجتمع الإنساني
2. لا يمكن القضاء عليها قضاء تاما وإنما يمكن تقليل نسبها فقط ،ويصح القول أن ظواهر الاجتماعية لا تزول من المجتمع الإنساني إلا بزوال الإنسان من على وجه البسيطة.
3. هناك عدة عوامل تدخل في زيادة نسبة انتشار الظاهرة الاجتماعية.
4. الاعتماد على الإحصائيات البيانية لتقيم الوضع النهائي للظاهرة الاجتماعية.
5. حتمية التغير واستحالة تجزئة الحضارة
6. ان اتجاه حركة الاصلاح في المنطق العلمي الحديث هو تقدمي يستند الى ايجاد حلول للمشاكل الاجتماعية ،ولا يحاول العودة الى زمن ما قبل نشوء الظاهرة

ان الدكتور علي الوردي قدم لكتابه بتوضيح الفرق بين المنطقين ،اي المنطق الحديث والمنطق القديم ،وبيان اسس كل منهما ،وهو بذلك يحاول ان يهيء القارئ لمراجعة بعض الاحداث التاريخية المهمة التي كان لها اثرا بالغا في ظهور العلل ألأجتماعية التي تعاني منها الشخصية العربية عموما ،والشخصية العراقية خصوصا،بمنظار المنطق الحديث.
_____________________________________________________

مهزلة العقل البشري ص5
2 مهزلة العقل البشري ص5
3 نفس المصدر ص9
4 نفس المصدرص6
5 انظر مرتضى العسكري مع الدكتور الوردي ص57
6 مهزلة العقل البشري ص7التعداد النقطي من اضافة الكاتب
7 نفس المصدر ص10
8 نفس المصدر ص12
9 قبائل بدائية اكتشفت في غنيا الغربية، برييل ليفي صاحب كتاب العقلية البدائية ،من المصادر المهمة في مجال علم الانثروبولجي

 

تأملات في كتاب مهزلة العقل البشري للدكتور علي الوردي (2)

طبيعة المدنية

في الفصل الأول من كتاب مهزلة العقل البشري ،والمعنون طبيعة المدنية ،يطرح الدكتور الوردي موضوع الاختلاف والاتفاق وفقا للتصورات التي خلص إليها في المقدمة 1، فيما يخص المقارنة بين المنطقين القديم والحديث.

والدكتور الوردي في كل مؤلفاته يعمد إلى استخدام الثنائيات المختلفة"المتناقضة"2 ،ولعله يقصد من وراء ذلك ،حثّ العقل على التفكير ،لأن العقل منظومة تتحسس الاختلاف،(حسبي أن افتح الباب للقراء لكي يبحثوا ،ويتناقشوا ،فالحقيقة هي في الواقع بنت البحث والمناقشة)3.

فهو يبدأ الفصل مبينا أن المنطق القديم يتبنى فكرة الاتفاق والتعاون وينبذ الاختلاف والفرقة (كان المفكرون الطوبائيون ولا يزالون ،يمدحون التعاون والتآخي واتفاق الكلمة ،.....وهم قد اجمعوا على هذا الرأي ..لم يشذ منهم أحداً)4.

أما المنطق الحديث فهو لا ينكر ما للأنفاق من منافع ،ولكنه في ذات الوقت لا ينكر ما له(الاتفاق)من أضرار ،وبذلك سيكون مقدار ما يقدمه (الاتفاق)من منافع هو العامل المرجح ،وليس بهاء الفكرة وزخرفها اللغوي، أو مطابقتها للمنطق المجرد بغض النظر عن الإمكانية العملية للتطبيق على ارض الواقع(نحن لا ننكر صحة هذا الرأي الذي يقولون به :فاتفاق الكلمة قوة للجماعة بلا ريب ولكننا لا نستطيع أن ننكر ما له من أضرار ....في الوقت ذاته .

أن الاتفاق يبعث على التماسك في المجتمع ،ولكنه يبعث فيه الجمود أيضا ،اتحاد الأفراد يخلق منهم قوة لا يستهان بها تجاه الجماعات الأخرى،وهو في ذات الوقت يجعلهم عاجزين عن التطور أو التكيف للظروف المستجدة.

أن التماسك الاجتماعي والجمود توأمان يولدان معا،ومن النادر أن تجد مجتمعا متماسكا ومتطورا في آن واحد. "لذا تراه ينتقد القدماء بقوله":والقدماء حين ركزوا انتباههم  على الاتفاق وحده إنما نظروا إلى الحقيقة من وجه واحد وأهملوا الوجه الآخر....وهم بذلك قد أدركوا نصف الحقيقة ،أما النصف الآخر منها فقد بقي مكتوما لم يجرؤ أحدا على بحثه )5. ولعله يقصد من وراء عبارة(لم يجرؤ احد على بحثه) طوق الموت الذي ضرب حول كل من تسول له نفسه أن يأتي بجديد خشية أن يتهم بأنه كان سببا لفرقة الكلمة وهي جمعاء ،فيضرب بالسيف كائنا من يكون ،بحسب ما روي في النص النبوي(من فرق أمر هذه الأمة وهي جمعاء فاضربوه بالسيف كائنا من يكون) ،ولطالما أستغل هذا النص ليكون المقصلة التي وأدت كل محاولات العقل العربي للخروج من تحت جلباب الآباء والأجداد ،وخصوصا محاولة العقل العربي في الصحوة الفكرية في العصر العباسي ،( حيث ..أُحرِقت كتب المعتزلة، والفلاسفة، وكتب الفرق المخالفة. ووضعت آراء المعارضة في ذلك الوقت، خارج العقيدة القويمة، التي أعاد تأسيسها أبو الحسن الأشعري، ومن أتى بعده من أئمة المتكلمين، وبخاصة بعد صدور" المنشور القادري"، الذي أصدره الخليفة القادر بالله ،  واعتُبر هو الفكر الديني الوحيد للمسلمين، وأن من خالفه فقد فسق وكفر وسادت القراءة الحرفية الجامدة للنصوص. ومنذ أن أعلن الخليفة القادر بالله في جوامع بغداد، بأن من يقول بأطروحات المعتزلة فدمه حلال، لم تقم للقراءة العقلانية قائمة في أرض الإسلام. وتم في ذلك العهد  قتل المعتزلة وغيرهم من المعارضين، ونفيهم، ولعنهم على المنابر، وتشريدهم من ديارهم ).6

بات من الواضح أن المنطق الحديث الذي يدعوا إليه الدكتور الوردي يفضل الاختلاف على الاتفاق ،ولكن هذا لا يعني انه يرجح الاختلاف بشكل مطلق ،فالمنطق الحديث يفرق بين الاختلاف الذي يبعث على التطور ،والآخر الذي يبعث على التخلف،(أن التنازع الذي يؤدي إلى الحركة والتطور يجب أن يقوم على أساس مبدأي لا شخصي ، فالمجتمع المتحرك هو الذي يحتوي في داخله على جبهتين متضادتين على الأقل ،حيث تدعو كل جبهة إلى نوع مبادئ يختلف لما تدعو إليه الجبهة الأخرى.....وبذلك يتحرك المجتمع إلى أمام)7. فالاختلاف يعني الحركة إلى أمام ،والحركة إلى أمام تعني التطور،  وعلى هذا الأساس تجد أن المجتمعات الحديثة أصبحت توفر مناخات مناسبة للاختلاف ،كما هو الحال في تصارع الأحزاب السياسية في الدول المتقدمة حضاريا،أو الصراع الاقتصادي الذي ينشب بين كبريات شركات الإنتاج العالمية.

أما الشكل الثاني من الاختلاف هو ذلك الذي ينشا بين أوساط المجتمعات البدائية (التي تؤمن بتقاليد الآباء والأجداد إيمانا قاطعا...ولكن تنازعها قائم على أساس شخصي لا يمس التقاليد بشيء. كلهم مجمعون على التمسك بها لا يخرجون عنها قيد أنملة،وكثيرا ما يكون تنازعهم ناشئا عن تنافسهم في القيام بتلك التقاليد ..)8.

للاختلاف محاسنه ولكنه كظاهرة اجتماعية لها مساوئها أيضا ، المجتمع المتحرك هو مجتمع قلق ،ولعل هذه من ابرز مساوئ المجتمع المتحرك كما يبرزها الدكتور الوردي بقوله:(فليس هناك في الكون شيء خير كله أو شر كله، فالحركة الاجتماعية تساعد الإنسان على التكيف من غير شك ، ولكنها تكلف المجتمع ثمنا باهضا  إذ هي تقدّم ومجازفة نحو المجهول، الإنسان الذي يعيش في مجتمع متحرك لا يستطيع أن يحصل على الطمأنينة )9 ، ويصف الدكتور حال الإنسان في البلدان المتحضرة بقوله (إذا ذهبت إلى نيويورك أو باريس أو غيرها من المدن العالمية الكبرى وجدت الناس في ركض متواصل وحركة لا تفتر ليلا أو نهارا ...وإذا سألتهم إلى أين ؟ همهموا بكلمات غامضة واستمروا في سيرهم مسرعين.

أما في المجتمع الراكد فشعار الناس العجلة من الشيطان)10

ونستطيع أن نلخص مراد الدكتور الوردي من المقارنة بين المنطقين في النقاط التالية:

  1. أن الدعوة إلى الاتفاق هي من سمات المجتمعات البدائية. والسبب في ذلك يعود بحسب رأي إلى أن تلك الأقوام عاشت في ظل ظروف كان منطق السيف هو السائد، والاقتتال سمة العصر الذي عاشوه لذا كانوا بحاجة إلى التماسك ليستمروا في البقاء على قيد الحياة .
  2. الاتفاق يبعث على الجمود في حين يبعث الاختلاف على الحركة والتطور.
  3. ينقسم الاختلاف إلى نوعين
  4. المجتمع المتفق هو مجتمع مطمأن . والمجتمع المتحرك مجتمع قلق وناسه في حركة دءوب لا تفتر أبدا.

وبعد أن ينتهي الدكتور الوردي من مناقشة ظاهرتي الاختلاف والاتفاق بحسب منظور المنطق القديم والحديث ،يبدأ بتناول نموذجين  لكل منهما  ،حيث يتناول توينبي المؤرخ الإنكليزي المعروف ،ويشير إلى منطق المتصوفة وابن خلدون ، كنماذج للمنطق الحديث ،ويتناول الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل كنموذج للمنطق القديم.

يرى المؤرخ الإنكليزي توينبي أن القصص التي أوردتها الكتب المقدسة حول خروج ادم من الجنة ونزوله إلى الأرض هي في حقيقتها ،ترمز إلى خروج الإنسان من البدائية إلى التحضر ،حيث ينقل الدكتور الوردي عن توينبي قوله(أن الحكاية التي تذكرها التوراة حول إغراء الشيطان لآدم وإخراجه من الجنة هي في الواقع أقصوصة رمزية تشير إلى ظهور المدنية ،وخروج الإنسان من طور البدائية إلى طور المدنية)11.

(ويعلل توينبي ظهور حضارة الإنسان القديمة،(بما فيها الديانات)، وتمركزها في وادي الرافدين ووادي النيل ،واسيا عموما يرجع إلى أن أوربا كانت مغطاة بالجليد تماما في العصر الجليدي الرابع في حين كانت قارة آسيا معتدلة،وتشكل بيئة تصلح لعيش الإنسان القديم،فالماء وفير ،والطعام في متناول اليد لا يبذل الإنسان أي جهد ،ليبقى على قيد الحياة ما خلا مقاومة الوحوش والضواري ، لذلك عاش الإنسان ردحا من الزمن  حياة بدائية قريبة جدا من حياة الحيوانات ،وفي وسط هذه الوفرة من مستلزمات البقاء على قيد الحياة ، لم يستخدم ذلك الإنسان عقله إلا بشكل محدود.فسعة استخدم العقل تتناسب طرديا مع الحاجة إلى الاستخدام، لذلك قيل أن الحاجة هي أم الاختراع12 .

 نقل سلامة موسى أن نيتشه كان يؤمن بان صعوبة التحديات التي توضع أمام الإنسان هي السبيل الوحيد للوصول به لما اسماه الإنسان الخارق ،على اعتبار أن القوانين التي أودعها الله في الطبيعة مصممة على اختيار الأفضل ،واشتهر عنه (نيتشه)قوله أن الطبيعة الحمراء بين الناب والمخلب هي التي أوجدت كل هذه الكثرة في الأنواع الحيوانية. كما نقل روجيه غارودي في كتابه ماركسية القرن العشرين عن جون بول سارتر قوله(إننا إذ نلقي بالإنسان في مجتمع متسامح فإننا نحرمه من حقه في الكفاح واستنهاض طاقاته). وأني أرى أن المجتمعات الغربية تنهج مثل هذه الاستراتيجية إذ إنها تضع أمام أبناءها تحديات ليست بالسهلة من اجل الرقي بالنوع ،وصولا إلى الأفضل.

ويرى توينبي أيضا ،أن حاجة الإنسان لأستخدم عقله بدأت مع نهاية العصر الجليدي الرابع حيث انحسر الجليد باتجاه القطبين ،وبدا التصحر،ينتشر في آسيا ،ومع التصحر بدأت الشّحة والنقص في الغذاء، وبدأت الحاجة إلى إعمال العقل .

كما  أن التصحر ونقص الغذاء أديا إلى هجرة بعض البدائيين إلى حيث الأنهر ،فنشأت القرى وتعلم الإنسان الزراعة،وتدجين الحيوانات ،وبدأت ملامح الحياة الاقتصادية تلوح في الأفق،ومعها خطوات الحضارة الإنسانية الأولى،في حين بقي قسما منهم يعيش في الصحراء يرعى الأغنام،ولم يستقر فكان  في حل وترحال دائمين، سعيا وراء العشب والماء.وهذه هي البدايات الأولى لنشوء مجتمعات مختلفة،مجتمع بدوي ومجتمع زراعي،كان الأساس التي انطلقت منه الحضارات،و يرى توينبي أن حكاية  قابيل وهابيل ما هي إلا رمزا للصراع بين البداوة والحضارة)13.

وعلى هذا فان توينبي يرى أن الاختلاف في البيئة كان سببا مهما في نشوء الحضارة،بل يذهب إلى ابعد من ذلك حيث يآخي بين البدائية والاتفاق ،وبين المدنية والاختلاف كما ينقل عنه الدكتور الوردي قوله:( أن الصفة الرئيسة التي تميز المدنية عن الحياة البدائية هي الإبداع ،فالحياة البدائية يسودها التقليد بينما يسود الإبداع الحياة المدنية ...  من الممكن القول بان المدنية والقلق صنوان لا يفترقان فالبشر كانوا قبل ظهور المدنية في نعيم مقيم ولا يسألون " لماذا" ،كل شيء جاهز بين أيديهم قد أعده لهم الآباء والأجداد ،فهم يسيرون عليه ولسان حالهم يقول "أنا وجدنا آباءنا على أمة وأنا على آثارهم مهتدون")14.

( وقد نقلت كتب التفسير الشيعية ما يشابه هذا الرأي ، في معرض تفسيرها النص القرآني(فلما اختلف النّاس بعث الله الانبياء والرسل....) ،حيث سئل الأمام الباقر*،وكيف كان الناس قبل الاختلاف

فأجاب كانوا على الفطرة

قيل وما الفطرة يابن رسول الله

قال:كانوا لا ضالين ولا مهتدين.

وهذا يعني أن إنسان ما قبل الرسالة كان بدائيا لم يستخدم عقله بعد ،يأكل مما تنبت الأرض من عدسها وفومها،أو بحسب تعبير الشاعر (كنا نوسوس في أذن الأرض فتعطينا مائدة..وكنا نصفق للطير فتعطينا الحلوى)15،وهذه هي الجنّة التي أخرج منها آدم

كما ورد في الأثر الشيعي أيضا أن جنة آدم التي اخرج منها لم تكن جنة الخلد واستدلوا على ذلك، بالنصوص القرآنية التي تشير إلى خلود الإنسان في الجنة ،وبما أن آدم لم يخلد فيها ،بل اخرج منها  فهي ليست بجنة الخلد المقصودة).

و ينقل الدكتور الوردي عن توينبي قوله:(أن المدنية هي مسرح الشيطان ومجاله الذي تخصص فيه ،أن المدنية في رأيه هي نتاج التنازع بين الله والشيطان،وان الله قد خلق الشّيطان عمدا وسلطه على الإنسان لكي يسيره في سبيل المدنية) ،وهو بذلك يؤكد على أن الشر ضروري لمعرفة الخير.

وخلاصة ما يراه توينبي

1.      أن الاختلاف الذي نشأ بسب التغير الكبير في مناخ الأرض وظهور التصحر في موطن الإنسان القديم كانت هي السبب الرئيسي في نشوء حضارة الإنسان ،أضف إلى ذلك إمكانية العقل على تحسس هذا الاختلاف ،فعقل له القدرة على تحسس الاختلاف ،وواقع متغير(مختلف) هما أساس حقائق الإنسان التي يمتلكها حتى هذه اللحظة ،وهذا تماما ما تطرحه نظرية المعرفة الماركسية .

2.      أن النصوص الدينية التي أوردت بخصوص قصة آدم تؤرخ البدايات الأولى لظهور الإنسان المتعقل ،الذي بدا يدرك أن للحوادث أسباب منفصلة عن ذاتها ، الإنسان الذي تسربت إلى ثنايا عقله "لماذا" ومعها كل القلق الإنساني الذي عانت وتعاني منه البشرية إلى يومنا هذا ،بسب ولوجها عالم التحضر ، وخروجها من طور البدائية( الجنّة) **.

.

 

منطق الشهرستاني

ينقل الدكتور الوردي عن الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل،أن إبليس احتج على ربه ووجه اليه سبعة احتجاجات سنلخصها بما يلي:

  1. لماذا خلقني الله وهو يعلم ما سيصدر مني مسبقا؟
  2. إذا كان لا ينتفع من طاعة مخلوق ولا يتضرر من معصيته! فلماذا امرني بالطاعة ونهاني عن المعصية؟
  3. لماذا كلفني بطاعة آدم والسجود؟ وما الحكمة من هذا التكليف؟
  4. إني لم ارتكب قبيحا سوى قولي"إني لن اسجد إلا لك وحدك" فلماذا لعنني وطردني من الجنة،وما الحكمة في ذلك؟
  5. لماذا مكنني من الدخول للجنة ؟فوسوست لآدم فارتكب المعصية،ولو كان منعني من الدخول لأسترح آدم وبقي خالدا في الجنة؟
  6. لماذا سلطني على أبناءه؟
  7. لماذا أمهلني إلى يوم القيامة؟فلو انه أهلكني في الحال لاستراح ادم وأولاده،ولما بقي شر في العالم؟

ويروي الشهرستاني ،والعهدة عليه ،أن الله أجاب على حجج إبليس قائلا))لو كنت يا إبليس صادقا مخلصا في الاعتقاد باني إلهك واله الخلق لما احتكمت علي بكلمة "لماذا".

فانا الله لا اله إلا أنا غير مسؤول عما افعل ،والخلق كلهم مسئولون))16.

(ويقول الشهرستاني تعليقا على ذلك أن كل شبهة وقعت لبني آدم منذ بدأ الخليقة حتى يومنا هذا ،نشأت كلها من هذه الكلمة الرعناء "لماذا" أو هي ترجع على حد تعبير الشهرستاني " إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالحق والى الجنوح إلى الهوى في مقابلة النص" 17.

 

ويلخص الدكتور الوردي مراد الشهرستاني بمنطقه القديم بقوله:(يعتقد الشهرستاني أن الإنسان يجب عليه أن يخضع للأوامر الربانية التي يأتي بها الأنبياء والأولياء فلا يسال عن العلة فيها ولا يشك في حكمتها ،فالجنة التي سكنها ادم من قبل ،ولا تزال تسكنها الملائكة اليوم ، ....حيث يعيش أهلوها فيها"سامعين مطيعين"). 18

 

منطق المتصوفة وابن خلدون

يرى الدكتور علي الوردي أن المتصوفة  وابن خلدون قد تبنّوا منطقا مختلفا عما تبنّوه معاصريهم ،منطقا يشابه تماما المنطق العلمي الحديث. حيث يقول(حاول بعض متصوفة الإسلام أن يجيبوا على سؤال"لماذا خلق الله الشيطان وأجرى الشّر على يديه؟" بما معناه أن الشيء لا يعرف الا بنقيضه،فالنور لا يعرف إلا بالظلام،والصحة لا تعرف إلا بالسقم،والوجود لا يعرف إلا بالعدم ،وان امتزاج هذه النقائض  هو الذي أنتج في رأي المتصوفة هذا الكون..... ومشكلة الشر تفسر عند المتصوفة على هذا الأساس) 19.

 

وهذا ما ذهب إليه ابن خلدون حيث قال:(قد لا يتم وجود الخير الكثير إلا بوجود شر يسير من اجل المواد فلا يفوت الخير بذلك على ما ينطوي عليه من الشر اليسير وهذا معنى وقوع الظلم في الخليقة فتفهم...).

ويرى الدكتور الوردي أن ابن خلدون والمتصوفة سبقوا هيكل في طرح منطق التناقض بعدة قرون .

ويرى أن المفكرين القدماء لم يعنوا بهذا الأمر،ولم يلتفتوا إليه، بسبب أنهم كانوا يجرون في تفكيرهم حسب المنطق الارسطي القديم الذي يؤمن بعدم التناقض 20.

ولعلهم أحسوا إحساسا باطنيا بان هذه المفاهيم ستؤدي بالعقل إلى التحرر تدريجيا ،وبذا ستدفع العقل شيئا فشيئا إلى الشك ،والتساؤل في كل شيء وهذه هي الطامة الكبرى21

(لأن الشك كالمرض المعدي ،لا يكاد يبدأ في ناحية حتى يعم جميع النواحي ،والإنسان إذ يكسر تقليدا واحدا يكسر جميع التقاليد. وهو بذلك قد استفاد من جهة وتضرر من جهة أخرى لذلك قيل من تمنطق فقد تزندق.

وينقل الدكتور الوردي عن حافظ وهبة ،كيف أن علماء نجد والحجاز اعترضوا على إدخال الملك عبد العزيز آل سعود المدارس ،والمحطات اللاسلكية ،فقد ظن هولاء أن المدارس تعلم الكفر والمجون ، والمحطات اللاسلكية تستخدم الشياطين في نقل الأخبار كما أن المشايخ والفقهاء اعترضوا بالحجج والبراهين الشرعية، على معارف مكة لأنها قررت في برامج التعليم :

 أولا: تعليم الرسم.

 وثانيا : تعليم اللغات.

 وثالثا الجغرافية ،التي تقول بكروية الأرض).

ويرى الدكتور الوردي( أن الحجج التي أدلى بها مشايخ والفقهاء في تحريمهم للرسم والجغرافيا واللغات هي في الواقع حجج ظاهرية .ولعلهم متأكدون باطنا من إنها لا تنافي الدين ... أن أخوف ما يتخوفون منه هو ما تجر إليه تلك الأمور من جدل وتساؤل وتفلسف، فالأيمان بكروية الأرض مثلا لا صلة له بالاعتقاد بالله وبالنبوة أو باليوم الآخر ،ولكن هذه الفكرة الجديدة تهدم بطبيعتها مزاج التسليم والتقليد ،الذي يطلبه المشايخ من أتباعهم). 22

ومن الجدير بالذكر أن بعض المجتهدين في النجف  يحرمون على مقلديهم قراءة الكثير من المؤلفات ،ومن ضمن المؤلفات الممنوعة هي كتب الدكتور علي الوردي ، تحت ذريعة أن هذه المؤلفات والكتب تثير الشك وتزعزع الثبات على العقيدة ،كما أن كتب الأدعية أفردت دعاءا طويلا عريضا ،تزعم أن من يواظب على قراءته بصدق، يُمنح بركة الثبات على العقيدة ويكون محفوظا من وسوسة الشياطين "لماذا" إلى أن تبلغ الروح الغرغرة،وهذا الكلام دقيق جدا ،وأنا بدوري أضمن أن الشيطان((الشّك)) لن يأتيه من بين يديه أو خلفه ،لأنه وببساطة يتعرض لعملية غسل دماغ ذاتية،من خلال تكراره نفس الكلمات يوميا وبرغبة صادقة.

كما أنهم  يحذرون مقلديهم من قراءة الفلسفة بقولهم ( شطئان الفلسفة هائجة ولكن أعماقها هادئة) . أن استراتيجيتهم تعتمد على عزل الأتباع عزلا ثقافيا تاما ،عن الاحتكاك بالثقافات الأخرى ،خوفا من إن تتسلل أليهم" لماذا" فيصيبهم ما أصاب إبليس اللعين.

ويرى الدكتور الوردي أن الميل إلى التسليم إلى ما جاء به الآباء والأجداد وعدم الرغبة في التغير، والقناعة  ،وتحريم الشك والتساؤل هي من سمات المجتمع البدائي ، فهو يصفهم بقوله( أما البدائي فهو لا يكفر ولا يتزندق أبدا .... انه في قريته يعيش في تراث الماضي السحيق ويتمتع بأوهامه وأحلامه .وليس في القرية أحد يقول"لماذا" كل شيء عندهم مقدس لا يجوز الخروج عليه،والشك عندهم كفر يعاقب صاحبه عليه عقابا شديدا. وهو بذلك عكس المتمدن الذي يسيطر عليه الخوف وتأخذ منه الوساوس كل مأخذ)23

يقول الدكتور علي الوردي أن الإحساس بالظلم لدى الفرنسيين هو الذي دفعهم إلى القيام بالثورة ضد لويس الرابع عشر ،وان السبب في تنامي هذا الشعور لدى الفرنسيين ،هي مؤلفات روسو ،ومنتسيكيو وغيرهم من الأدباء، وينقل الدكتور عن المؤرخين أن أحوال الفرنسيين كانت أفضل بكثير من أحوال الشعوب المجاورة مثل روسيا ،ولذا يقول أن الشعور بالظلم أهم من وجود الظلم نفسه فقد يكون الظلم موجودا ولكننا لا نشعر به.

يبدو أن مراد الدكتور الوردي من عموم كتبه هو أن يحس الإنسان العراقي خصوصا والعربي عموما ببدائيته ،لأنه يدرك تماما إنها ستكون الخطوة الاولى على طريق الثورة على الذات ،املآ في بزوغ عصر تنوير يشابه تماما عصر التنوير الأوربي.و لأنه يدرك أيضا من إننا مدمنون على البدائية وليس فقط لا نشعر بها.

 

علي ماضي

العراق

 

 

__________________________________________________________

[1] اقرا الحلقة الاولى الموجودة على الرابط التالي http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=8253

2اذ أن المنطق الارسطوي يضع شروطا معقدة للتناقض راجع منطق المظفر لمزيد من التفاصيل

3مهزلة العقل البشري  ص4

4 مهزلة العقل البشري ص16

5نفس المصدر السابق  ص16-ـــ ص17

6 شاكر النابلسي مقال منشور بعنوان من وصايا الماوردي للسلطان http://www.akhbaar.org/wesima_articles/articles-20070107-23241.html

7نفس المصدر السابق ص17

8 نفس المصدر ص17

9مهزلة العقل البشري ص 18

10 نفس صفحة المصدر السابق

11  مهزلة العقل البشري ص20

12 ينقل بريل ليفي في ص14 من كتابه العقلية البدائية عن بنتلي قوله(لايفكر الافريقيون ولايتعقلون ولا يعللون ما دامو يستطيعون الاستغناء عن ذلك)

13 جمعت هذا الملخص لمفهوم الموؤرخ الانكليزي توينبي من اكثر من كتاب للدكتور الوردي من بينها مهزلة العقل البشري ص18-ــص19

14مهزلة العقل البشري ص20

* الامام الباقر ابن الامام السجاد خامس ائمة اهل البيت بحسب المذهب الشيعي الاثني عشري

15 زخرف للبياض زخرف للسواد مجموعة شعرية لحميد حسن جعفر

**

     والملاحظ أيضا أن توينبي كان ينحى منحى باخوفين في الاستدلال ،إلا أن الأخير استخدم الأدب اليوناني لدراسة تاريخ العائلة حيث تمكن من تحديد تاريخ نشوء حق الأبوة ،بعد أن كان حق الأمومة هو السائد، من خلال دراسته لمسرحية اريستوس الذي قتل أمه لأنها قتلت أباه وتحليله للمحكمة التي أقامتها الآلهة على حد ما نقلته تلك المسرحية التي مثلت على مسارح أثينا .راجع انجلز تاريخ العائلة

16مهزلة العقل ص21

17 مهزلة العقل ص21

18 مهزلة العقل ص21

19 مهزلة العقل ص21

20نفس المصدر ص22

21نفس المصدر السابق ص26

22نفس المصدر ص 24_ص25

23نفس المصدر ص32