بشتآشان مسار قضية

خالد صبيح

لسنوات قليلة خلت كان ملف مجزرة بشتاشان مطويا ومركونا بإهمال ويراد له النسيان واقتصر حينها ذكر المجزرة في الأوساط الشخصية للذين عاشوا آلامها وحالة مباهاة وتشفي ساخر من بعض العنصريين الذين كان تنظيمهم( الاتحاد الوطني الكردستاني) وراء ارتكابها. لكن جريمة بحجم مجزرة بشتاشان لا يمكن نسيانها ولااخفاءها ولا حتى تبريرها لأنها ليست قضية خاصة بحزب بقدر ما هي قضية رأي عام وهي قضية إنسانية وأخلاقية أكثر مما هي قضية سياسية لهذا ستبوء، بتقديري، كل المحاولات الجارية الآن لتسويفها وتسطيح أبعادها واختزالها في دائرة خلاف سياسي أو ظروف مرحلة سياسية شاذة انتهت ويجب أن تغلق ملفاتها باعتذار بائس سيكون الغاية القصوى للانتهازيين والقدر الأكبر من التنازل لمرتكبيها. وهذا لن يكون لان قضية بشتاشان اكبر من حجم صفقة خنوعة وتسوية سياسية ذليلة، هي اكبر لأنها جريمة من نتاج ذهنية عنصرية ونفوس حقودة ما تزال أنفاسها الملوثة بالكراهية تجول في شوارع مدن كردستان( حادث فضائية الفيحاء مثال متأخر) وأسانيدها العقلية منتشرة في الخطاب السياسي والثقافي الكردي المتعصب قوميا ببلادة مخجلة.

حين عرف قسم من الرأي العام العراقي بالواقعة المؤلمة وان بشكل متأخر، واقدر أنها شكلت نوع من الصدمة له، صار من غير الممكن السكوت عنها لمن هو معني بها، ولأنها قضية لها امتدادات وآثار يراد لها أن لا تتحرك وبنفس الوقت لا يمكن التغاضي عنها صار المطلوب عمليا للمرحلة الجديدة هو تسويف القضية والتخفيف من حدة وهمجية دوافعها وغمط آثارها وتضييق حدودها قدر المستطاع. في هذا السياق أخذت بعض الدعوات عبر بعض التناولات للحادثة ولظروفها( كتابات باللغة الكردية) تحاول أن تساوي بين القاتل والضحية وتحول الأمر وكان من كان ضحية هو معتد ( مع غضاضة التشبيه إلا انه منطق يذكر بالخطاب ألبعثي الشمولي. الم يحاول المدافعون عن جرائم صدام حسين تبرير جرائمه باعتبارها ردود فعل طبيعية؟)

هكذا أريد للمسار الجديد للقضية أن يكون فأخذت بعض الأقلام بغض النظر عن دوافعها تحاول أن تلقي باللوم على قيادة الحزب الشيوعي العراقي التي انجرت وراء تحالفها في (جود) ولانحرافات يسارية(كذا) مما خلق لها الخصومة مع الجلاليين( أصر على هذه التسمية). أو في ابسط الأحوال أن المجزرة كانت ضمن سياق اقتتال الأخوة( المؤسف) الذي كان سائدا في الثقافة السياسية لتلك الأيام وان هناك خسائر لدى الأحزاب الأخرى جراء هذا الاقتتال تفوق بأضعاف ما وقع في مجزرة بشتاشان.
تبدو هذه المحاججة مقنعة أليس كذلك؟.
لكن مهلا! فالقبول بهذا المنطق يعني إلغاء الفروقات بين الوقائع، فواقعة بشتاشان رغم إنها نتاج مرحلة اقتتال الأخوة إلا أنها تمت بطريقة مغايرة وغير مسبوقة اتسمت بالغدر والانتقام ومورست فيها جرائم قتل لأسرى( عرب) على الهوية مما عكس نفسا عنصريا حاقدا لايمكن تشبيهه ومماهاته بخلاف أو تنازع سياسي وهذا هو البعد الأهم في القضية. فهناك قتل ميداني لأسرى وهذا مخالف لمبادئ الحرب وتصفية على أساس عرقي وهذا مخالف لكل القيم الإنسانية وبلا شك انه يلوث من قام به إلى الأبد حتى وان تنطع وادعى الروح الديمقراطية والنفس الحضاري كما يقدم مجرما المجزرة الأساسيان( جلال الطالباني ونو شيروان مصطفى) نفسيهما اليوم.
كما ان الجريمة وقعت بتنسيق ودعم من النظام ألبعثي وهذا يجعلها واحدة من جرائم النظام الكثيرة مع إنها نفذت بيد الجلاليين، وإذا كان مجرم بحجم صدام حسين قد أدين واعدم بسبب من إعدامه لمائة وثمان وأربعين شخصا فلماذا يمكن أو يجب الصمت عن جريمة بشتاشان. مع إن واقعة الدجيل التي اعدم صدام رسميا بسببها مقارنة بجريمة بشتاشان تبدو مبررة بينما جريمة بشتاشان جرت بطريقة مفضوحة ولايمكن السكوت عنها أو تجاوزها.
ولنستطرد ابعد في السياق ونناقش معضلة اقتتال الأخوة الم يكن المسبب الرئيسي بها هو عصابات الجلاليين؟ ليذكر لي أي كردي متعصب قوميا بهستيريا أو عربيا مأجور متملق للكرد ول(مامهم) أي معركة بدأها الحزب الديمقراطي الكردستاني أو الحزب الاشتراكي أو الحزب الشيوعي العراقي أو حتى حزب الباسوك البائس ضد الجلاليين. الم يكن (الجلاليون) هم البادئون والسباقون والمعتدون على طول الخط. وبهذا فان هذه الحجة سوف تضاعف مسؤوليتهم بدلا من أن تخفف عن كاهلهم المثقل بالجرائم. فهم يتحملون الوزر الأكبر بكل الدماء التي سالت هدرا على ارض كردستان. هم أكثر من غيرهم إن أردنا أن نفكر بطريقة التلاعب السياسي ونوزع المسؤوليات والذنوب على الجميع.

لكن قضية بشتاشان ولأجل أن تأخذ حجمها الطبيعي ينقصها الجسد الذي يحملها ويقدمها في المحافل المناسبة ويقدمها على صورتها الكاملة أمام الرأي العام. وهنا تبرز أهمية أن ترتقي هذه القضية لتتجاوز حدود المبادرات الفردية للمكتوين بها ولأصحاب الضمائر الحية من المثقفين العراقيين الذين يذّكرون بها ويذكرونها في كتاباتهم. لتتحول إلى قضية اجتماعية وسياسية ـ فكرية عامة مع الاحتفاظ دائما ببعدها القانوني الجنائي.
وهنا يبرز سؤال مهم وملح:
من هو المسؤول عن إدارة ملف هذه القضية ومن هو المؤهل لذلك؟
يتبادر إلى الذهن فورا، في سياق محاولة الإجابة، أن حامل عبء هذا الملف بالضرورة يجب أن يكون المعني الأول بها (ولكن ليس الأخير) وهو الحزب الشيوعي العراقي. فهي قضية وبكل المقاييس ولكل الأسباب يجب أن تكون من اولوياته ومن صلب اهتماماته. عليه تقع مسؤولية التعريف بها وشرح أبعادها وكل مااحاط بها وتبيان موقف رسمي وعلني من الواقعة. لكن المؤسف والمخجل في ذات الوقت أن الحزب الشيوعي العراقي هو الأكثر صمتا ويتصرف بعكس ما تمليه عليه مسؤوليته التاريخية إزاء هذه القضية. ولم يكتف الحزب بالصمت( لا يرد أي ذكر للمجزرة في أدبياته ومحاوره الإعلامية الفقيرة) وموقف المتفرج بل وصل إلى حد التواطؤ فهو يؤيد أي جهد أو موقف يريد أن يقلل من حجم وأهمية هذه القضية أو يغلقها. ولكن ماذا سيقول الحزب إن تمادى في إهمال القضية للرأي العام ولذوي الشهداء ولرفاقهم ولأصدقائهم إذا ما توسعت دائرة المطالبة والتساؤلات فللشهداء أهل لن يسكتهم عن دماء أبنائهم رشاوى التقاعدات وغيرها.

والمتتبع لواقع الحزب يعرف أن ليس أمام الحزب، للأسف، هكذا أولوية متذرعا دائما بالحجة العتيدة:
الظروف غير ملائمة ولم يئن الأوان بعد.

هناك أيضا جهة أخرى هي منظمة الأنصار الشيوعيين فهي مؤهلة بعض الشيء لرفع مستوى الاهتمام بهذا الملف لو توفرت لها القيادة الحريصة وتخلصت وان بقدر محدود من تأثيرات الحزب عليها ومحاولته الهيمنة على مقدراتها. لكن يبدو أن هذا الأمر تكتنفه صعوبة تقارب الاستحالة لطبيعة المنظمة والظروف المحيطة بها. وتبقى الإجابة عن مااذا ستستطيع المنظمة أن تخطوا خطوات صحيحة بهذا الاتجاه هو بالتأكيد في ذمة المستقبل.
تردد مؤخرا بعض الحديث عن إمكانية أو استعداد الطالباني على تقديم اعتذار لذوي الضحايا. واستباقا للموقف يمكن القول إن هذا المسعى تغلفه شكوك في جديته وحسن نواياه واغلب الظن انه لن يحدث، ان حدث، من اجل معالجة القضية بقدر ماهو لأجل إغلاق الملف بتسوية شكلية وبإطار محدود فليس من المرجح أن يعتذر الطالباني بعلنية وبصدق بل سيحاول، إن فعل، أن يكون اعتذاره همسا في أذن قيادة الحزب الشيوعي العراقي أو أمام مجموعة من الأنصار ليحول من قبل عصابته، إن أعلن للعلن، إلى عرس إعلامي يتبجح ب(التواضع والجرأة) وغيرها من النعوت الجاهزة كما كان يفعل الإعلام ألبعثي الشمولي في تدبيج المديح للقتلة.
مهما حاول الطالباني أو من يتواطأ معه في تحجيم الجريمة وحرف مساراتها المنطقية بأي اعتذار استهلاكي فهو لن يخفف من وقع الجريمة ولن يغير من صورة الطالباني ونو شيروان التي رسمها لهما التاريخ مرة واحدة والى الأبد، وبالتأكيد لن يطفئ اعتذار مهلهل حرقة فقدان زهور الوطن الجميلة من شهداء بشتاشان.

وسيبقى ملف القضية مفتوحا !.

1/5/2007