هل يعود المتنبي والواسطي والصياد إلى ساحات الكوت؟

من عبد الجبار الصفراني

واسط -(أصوات العراق)

عادة ما تختار المدن رمزا أو أكثر قريبا منها، أو انه ينتمي لها فتجعل منه شعارا لها أو هوية تلتصق بها وتميزها عن غيرها في المحافل أو الملتقيات.

وفي الغالب يكون اختيار هذا الرمز لشخصية تاريخية من شخوص تلك المدينة، كأن يكون شاعرا أو أديبا أو فيلسوفا أو رمزا وطنيا تفخر به تلك المدينة.

وقد يتعدى هذا الرمز كل تلك المسميات وغيرها فيكون دالا مثلا على جغرافية المدينة أو تاريخها، أو يرمز إلى الجانب الاقتصادي أو الاجتماعي أو الفلكلوري أو أية دلالة أخرى يمكن أن تميز هذه المدينة عن سواها.

في الكوت كانت هناك شواهد من تلك أضحت على هيئة نصب وتماثيل زينت عددا من الساحات العامة والتقاطعات والشوارع الرئيسة منها نصب الشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي، يحيى بن محمود الواسطي، العامل ونصب الصياد الذي كان على مقربة من سدة الكوت حيث الماء ورائحة السمك.

ويقول الباحث السيد مثنى حسن مهدي في حديث مع وكالة أنباء (أصوات العراق) المستقلة إنه من المؤسف جدا أن تلك الشواهد التاريخية العظيمة غابت بين ليلة وضحاها عن مواقعها لتحل محلها في ذلك الوقت جداريات الطاغية (صدام حسين)، مضيفا أن الأخيرة لم تعط مثل عبق المتنبي ورؤية الواسطي وهمة العامل وذكاء صياد الأسماك الذي يعرف كيف يرمي شباكه

وتابع "هذه الرموز أو الشواهد تؤخذ عادة من واقع المدينة وهي الغالب لها صلة بها في أي شكل من الأشكال."

وأضاف مهدى "لكل محافظة في العراق يوجد رمز يختلف عن المحافظة الأخرى، عادة ما يشمخ في إحدى الساحات العامة أو الشوارع أو التقاطعات المهمة."

فمثلا نجد السواس (الذي يبيع شراب السوس) في الموصل والرموز الدينية في المدن المقدسة كالنجف وكر بلاء، وفي ديالى هناك رمز للبرتقالة (حيث تشتهر المدينة بإنتاج البرتقال)."وزاد "وفي الشمال كان الجبل والشلال في الأماكن العامة مثلما هي في واقع الحال، وفي مناطق الاهوار نجد صورة المشحوف (الزورق الصغير) والشختورة (نوع آخر من الزوارق) وهكذا يتكرر المشهد لكنه بأشكال وألوان وانتماءات متعددة وكثيرة."وأشار إلى انه في مدينة الكوت كانت هناك بعض الشواهد التاريخية الجميلة تزين عددا من الساحات العامة وهي في واقع الحال لها دلالاتها ورموزها المعروفة، فهناك مثلا كان نصب كبير للشاعر أبو الطيب المتنبي الذي قتل في دير العاقول عند مدينة النعمانية شمال غرب الكوت.

وتابع "وقريبا من سدة الكوت حيث الماء والسمك كان يوجد نصب كبير يرمز إلى الصياد وهو يتوسط ساحة كبيرة عند الجانب الشرقي للسدة يطلق عليها ساحة الصياد، في حين كان نصب العامل يتوسط منطقة رئيسية وسط المدينة يطلق عليها سابقا وحاضرا ساحة العامل (المسطر) وهي الساحة التي يلتقي فيها العمال يوميا وهم يبحثون عن رزقهم الحلال."وقال السيد مهدى "قريبا من شارع الأطباء كان هناك نصب للصيدلي بينما يحتل نصب الرسام المعروف يحيى بن محمود الواسطي باحة صغيرة قريبا من مقر نقابة التشكيليين."وهكذا تتوزع العديد من الُنصب والتماثيل والشواهد الحضارية الأخرى التي لم يعد لها أثر الآن، بعضها رفع من المكان لضرورات تتعلق بالتخطيط العمراني لتطوير هذه الساحة أو تلك والبعض الآخر اقتلع قسرا لتحل مكانها في العهد السابق جداريات القائد غير الضرورية حتى لم يعد في المدينة الآن شيء يذكر من معالمها ورموزها وشواهدها الكثيرة. وتابع السيد مهدى فى حديثة لوكالة أنباء (أصوات العراق) المستقلة "من غير الممكن ان نجد في الساحات العامة أو الأماكن الأخرى ما يرمز إلى تاريخ هذه المدينة وتراثها الحافل بالرموز والشواهد العظيمة". مضيفا أن تاريخ واسط حافل بالعطاءات والنتاجات المتعددة ومنها على سبيل المثال رسومات الفنان يحيى بن محمود الواسطي الذي كرس فنه وإبداعه في رسم صور للحياة وللزمن المفعم بحب تربة الأرض.

وزاد "زهناك أيضا عظيم الشعر وفارس السيف والقلم أبي الطيب المتنبي الذي كان له نصب كبير نفذه الفنان جميل جبار في إحدى الساحات الرئيسية في المدينة وعند الجانب الغربي لجسر الكرامة."

وقال مهدى وهو يتنهد "هذا النصب الكبير رفع من مكانه دون وازع للضمير ولا أحدا يعرف مصيره الان لتحل محله نافورة صغيرة ولدت ميتة وتهدمت ولا يوجد فيها ما يتناسب مع النصب السابق."

وتابع "وهناك أيضا تمثال الصياد الذي كان في وقته أجمل ما في المدينة إلا أن شباكه تمزقت بين ليلة وضحاها ليس من أسماك البني أو الشبوط وانما مزقتها (الرافعة) التي نقلته إلى مكان مجهول ليكون بديلا عنة تقاطع مروري يعمل دائما بالضوء الأحمر حيث يتوقف الجميع يتأملون عودة الصياد إلى مكان آخر قريبا من السدة والشط حيث الماء والسمك العائد الى دائرة الضوء بعد أن غاب سنوات طويلة تحت وطأة أساليب الصيد الرخيصة."

وأوضح أن هذا التمثال كان قد نفذه الفنان (رسول نفل) بمعاونة فنان آخر من العاصمة بغداد، أما تمثال العامل فهو أحوج ما يكون اليوم في مكانه حيث المسطر والبطالة والعمال الذين يفترشون الأرض بلا عمل وأمل.. وهناك الكثير من تلك النصب والتماثيل والأعمال الفنية الأخرى التي كانت موجودة إلا أنها أزيلت من أماكنها وتوارت بعيدا عن الأنظار.ونوة مهدى الى أن في واسط الكثير من الفنانين المبدعين في الرسم والنحت والتشكيل والفنون الأخرى، ومتى ما توفرت لهم الفرص فيمكن أن يصنعوا الإبداع تلو الإبداع.وطالب محافظة واسط والمجلس البلدي فيها أن يلتفت الى ذلك الان ويعطي هذا الجانب أهمية خاصة أو على أقل تقدير أن يعمل على إقامة نصب يمثل العراق الجديد فالمدينة بحاجة الى مثل هذه المعالم الحضارية والفنية الجميلة