البيشمركة تلك الكلمة الحلوة ولكن...؟

محسن الجيلاوي

 هناك أسئلة مشروعة تدور اليوم في الشارع السياسي العراقي وبين عامة الناس المبتلين بنار الإرهاب والجريمة عن المليشيات ودورها ماضيا وحاضرا ويكاد يجمع أغلبية الناس على ضرورة حلها لأن وجودها مهما كانت مبرراته يتعارض مع قيام دولة عصرية وسلم مدني حقيقي..وفي مقالتي هذه سأتعرض تحديدا لقوات البيشمركة التابعة للأحزاب الكردية والتي يتعالى صياح بعض المثقفين الكرد عند التطرق لها...

 لقد ناضل الشعب الكردي ولعقود طويلة من أجل التحرر والمساواة والحرية وعلى هذه الطريق تشكلت الحركة القومية الكردية ضمن إطارات سياسية مختلفة ومتناقضة المصالح لكن ما يوحدها من حيث الشكل هو مبدأ الانعتاق القومي وهذه المسالة من حيث الجوهر مختلفة الفهم والمضمون والتصور تبعا للفكر والمصالح الطبقية والفكرية والسياسية المختلفة التي شكلت لب وجوهر حركة قومية واسعة التنظيم والمشاركة والفعالية مرتبطا ذلك بسياسات وطبيعة الأنظمة المختلفة تجاهها وشكل المصالح الوشيجة بين المكونات الخاصة بالشعب الكردي وشكل امتداداتها داخل البلدان التي يقع ضمن إطارها هذا الشعب...لقد كان للثورات التحررية للشعب الكردي أثر كبير في بلورة فكر تحرري عميق محب للحرية والتقدم... والثورات الكردية المتعاقبة لم تستطع تحت همجية القمع والاضطهاد أن تجد شكل نضالي يجنبها ويلات حمل السلاح في الحفاظ على مجد هذه الشرارة مستمرا..فمنذ ثورة الحفيد حتى اليوم مرت النزعة التحررية بمنعطفات كبيرة وحادة ولعل أبرز تلك المحطات بعد ثورة الحفيد تلك القيادة التاريخية لملا مصطفى البارزاني في بلورة شكل نضالي متقدم للثورة الكردية..ولكن يمكن القول ان الثورة الكردية لم تستطع أن تنقل كفاح الشعب التحرري إلى حالة فكرية تتناسب مع عصر حديث يعطي للإنسان قيمة كبرى بغض النظر عن انحداره أو موقعه العشائري أو الديني لهذا لازالت هذه الحركة مشدودة إلى الطبيعة العشائرية ونفوذ الأغوات وسليلي العوائل المعروفة مما أفقد هذه الحركة الكثير من المصداقية مؤديا ذلك إلى نكبات وخسارات كبيرة لقضية الشعب الكردي العادلة لا مجال للتطرق لها الآن...

 تعد ثورة أيلول بقيادة البارزاني محطة متقدمة في النضال رغم الأخطاء الداخلية التي شابتها وجاء انهيار الثورة أواسط السبعينات ليترك مرارة كبيرة لدى جماهير الشعب..وكان المفترض من النخب الكردية أن تتمعن في معاني الهزيمة وأسبابها وتدرسها بروح إبداعية مخلصة عبر تجاوز شكل الثورة القديم إلى فضاء أكثر عمقا والتصاقا بقضايا الناس وقد حاول البعض ذلك ويمكن القول أن سبب الهزيمة وتعدد الرؤى في النظر إلى مسبباتها قاد إلى ظهور تشكيلات وأحزاب كردية متعددة ولعل أبرزها بالإضافة إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني في سوريا والذي ضم عدة تشكيلات لعل أبرزها كوملة، كذلك الحزب الاشتراكي الكردستاني بقيادة رسول مامند، باسوك، كذلك شكل سامي عبد الرحمن بعد خروجه من الحزب الديمقراطي القيادة المؤقتة ثم لاحقا حزب الشعب..بالإضافة إلى تنظيمات صغيرة مثل الآي شورش، ثم لاحقا الحركات الإسلامية بمختلف تشكيلاتها كما ساهم الحزب الشيوعي أيضا ضمن إطار ذلك... جميع هذه الأحزاب ولظروف سياسية وتاريخية وجغرافية مساعدة أوجدت لها تنظيمات عسكرية تسمى بيشمركة...بمعنى أن كلمة بيشمركة ( الفدائي ) والمحببة إلى قلب كل كوردي هي لصيقة للتنظيمات الكردية بكل اتجاهاتها..وبهذا كانت بيشمركة هذا الحزب أو ذاك ترتبط أهدافها ووسائل عملها سياسيا وعسكريا بالتوجهات السياسية لهذا الطرف أو ذاك...لهذا دعونا نحلل ما الذي لصالح هذه التشكيلات وما هي المثالب عليها وخوصا بعد عام 1975- إلى اليوم...

بعد نكسة أيلول وتشكيل القيادة المؤقتة للحزب الديمقراطي مترافقا ذلك مع تأسيس الاتحاد الوطني برز مفهوم التنافس والخوف من نفوذ هذا الطرف على حساب الآخر وهو عداء قديم أيضا - لهذا استخدم البيشمركة أسوء استخدام تبعا لهذه العقلية فقد وقعت أول مجزرة حقيقية نهاية السبعينيات عندما تصدت العشائر الموالية للحزب الديمقراطي إلى مئات من بيشمركة الاتحاد الوطني مخلفة عشرات بل مئات من القتلى تنهشهم الغربان على الحدود التركية دون مراعاة أن ذلك دم كردي كان همه النضال من اجل قضية عادلة لا لكي يزج في حروب عبثية بهذا الشكل..وبعدها تواصلت الحروب ( بيشمركة ضد بيشمركة ) أو ما يسمى ( شر برايت كشتى ) قتال الاخوة وسأورد بعضا منها

- قتال شرس بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني وبيشمركة الاتحاد الوطني منذ أواسط السبعينات حتى بداية الثمانينات سبب سقوط مئات القتلى والجرحى...

- تجدد القتال ثانية نهاية 1882بيشمركة الحزبين...

- دخول أطراف جديدة في المعارك بيشمركة الحزب الديمقراطي، الحزب الاشتراكي، الحزب الشيوعي، باسوك مع بيشمركة الاتحاد الوطني ومن أبرز ذلك مجزرة بشتآشان الأولى والثانية ومعارك السليمانية ودشت اربيل وهورمان أدت إلى سقوط مئات القتلى والجرحى وتشريد الأهالي...

- لعب بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني دور الجحوش في حماية القرى الإيرانية من دخول قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (حدكا) الذي كان يناضل من أجل ذات الأهداف التي يدعيها الديمقراطي العراقي مما سبب سقوط مئات القتلى الكرد...

- نهاية الثمانينات لعب الاتحاد الوطني دورا في دعم القوات الإيرانية في مقاتلة ( حدكا ) الإيراني وكومله...

- قتال بين بشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني و PPk أدت إلى مئات القتلى والجرحى من الطرفين...

- بعد المناطق الآمنة تجدد القتال بين الحزبين الكبيرين والذي أستمر سنوات طويلة السبب هو الحفاظ على مناطق النفوذ وممرات التهريب.. شكل الصراع تجاوز كل المعايير الأخلاقية النضالية لهذا تم استقدام القوات العراقية لمساعدة الديمقراطي في طرد الاتحاد الوطني منها واستخدم الأخير إيران كذلك..تلك الحرب أدت إلى سقوط الآلاف من القتلى والجرحى والمشردين من أبناء الشعب الكردي

- استخدم البيشمركة في أعمال الاغتيالات والتصفيات الجسدية في التنافس الحزبي قد شاهدت بعيني كيف جرى التعامل مع مئات السجناء السياسيين التابعين لحزب الشعب بقيادة سامي عبد الرحمن* آنذاك لقد مارس معهم بيشمركة الحزب الديمقراطي أبشع صنوف التعذيب والمهانة حتى أن أحد كوادر الحزب كان يتلذذ بطريقة قتل هؤلاء المناضلين عبر الإيحاء لهم بأنهم أحرار وما أن ينطلقوا باتجاه جسر بالقرب من سجن الفرع الأول والذي من خلاله يتوجه الناس إلى عمق الوطن وما أن يصل السجين منتصف ( الروبار ) يطلق المسؤول طلقة الرحمة لتقتنص الهارب لترديه قتيلا ساقطا في عمق فورة مياه شديدة الانحدار لكي تضيع أجسادهم بلا قبر ولا شاهدة...

- أستخدم البيشمركة في المعارك العشائرية تبعا لنفوذ هذه العشيرة أو تلك وسط الحركة القومية الكردية كما حصل بين البارزانيين والزيباريين، والزيباريين والهيركيين، والعشائر الموالية لجلال مع العشائر الأضعف نفوذا في سهل كويسنجق وهورمان وغيرها...

- قتال شرس ضد الأحزاب الإسلامية الكردية سفح فيه دم كردي غزير...

- أستغل البعض البيشمركة في التكسب الحرام من خلال التهريب من تركيا وإيران وبالعكس وكان التهريب يشمل السلاح والأغنام والبضائع والنفط وحتى البشر وهناك إمبراطوريات مالية معروفة لبعض قادة البيشمركة...
- استخدم البيشمركة أحيانا كأدوات لتنفيذ سياسة الأغوات في السيطرة على أراضي الاخوة المسييحيين عبر وسائل عديدة من الترهيب والضغط وتسهيل تهجيرهم ليتيح لهم السيطرة على قرى متميزة في غنى أراضيها ومواردها وهي محل نزاع قائم اليوم بين المسيحيين والأكراد بعد سقوط النظام...كما استخدم البيشمركة في مهام عنصرية مثل قتل العرب الأسرى من بيشمركة الحزب الشيوعي وتسليم الجنود العرب الفارين من الجبهات إلى السلطات العراقية بل تسليم بعض من الاخوة الأكراد الفيلين إلى العراق وهم في طريقهم للحاق بأهاليهم المهجرين إلى إيران وقد فعل ذلك بامتياز بيشمركة الاتحاد الوطني كان أخرها مجزرة كركوك بحق العشرات من الجنود الفقراء الذين سلموا أنفسهم طواعية للبيشمركة..

- كان لبعض من قادة البيشمركة أدوار مشئومة في فرض الإتاوات والضرائب واضطهاد فقراء القرى الذين كانوا حاضنة الثورة ونسيجها...بل ان هناك عناصر ساهمت في أدوار قذرة في إشعال هذه الحروب واضطهاد وتغييب الناس والناس تتذكر برعب أسماء أمثال عيسى سوار وسيد حميد وناوشيروان مصطفى وحاجي عثمان محمود وغيرهم وقسم من هؤلاء يستحق محاكمات عادلة لما اقترفوه من جرائم بحق الشعب الكردي...

- بعد سقوط النظام تحول ولاء بعض من المجرمين( جحوش ومخابرات ورجال أمن ) والذين ساهموا في ادوار قذرة ضد البيشمركة أصلا وضمن محاولة الحزبيين الكبيرين للحصول على قدر أكبر من الرجال والسلاح إلى بيشمركة اليوم بل ان بعضهم يحتل أدوار أكبر بكثير من الذين ناضلوا أيام الدكتاتورية، إن الكثير من هؤلاء تجار حروب وهم على استعداد دوما لتغيير الولاء في حال أي منعطف سياسي خطير يتعرض له الشعب...

كما ان استغلال هذه القوات من قبل الدول المجاورة في حماية مصالحها جاء دوما بالضد من إرادة الشعب الكردي ومثال على ذلك استغلال الشاه للثورة الكردية، ونظام صدام ( لحدكا )الإيراني، كذلك استخدم بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني ضد(حدكا) واستغلال تركيا بيشمركة الحزب الديمقراطي ضد ppk وغيرها من الامتدادات المعروفة تبعا لتقلبات الأحزاب وقياداتها وبالتالي تجنيد قوى البيشمركة التابعة لها في مهام هي بعيدة كليا عن النوايا المعلنة عن وجودها كقوة تناضل من أجل الحقوق العادلة للشعب الكردي..لقد استغل قادة هذه الأحزاب قوات البيشمركة أيما استغلال في صراعاتهم الشخصية والسياسية وفي التكسب من هذا الطرف أو ذاك وضربوا عرض الحائط كل القيم في تحالفاتهم وتعاونهم مع السلطات سواء عراقية أو مجاورة طالما تحقق لهم النفوذ واستمرار سلطة الحزب التي هي عبارة عن مشيخة تأخذ شكل حزب جزافا...إن المتتبع لطبيعة الأحزاب الكردية يجد أنها أحزاب تسودها عبادة الفردية المطلقة وتتحكم في مفاصلها علاقات عشائرية وعائلية وتتنافى أنظمتها الداخلية وشكل القيادة (التاريخي) الطويل فيها مع أي قيم ديمقراطية ولو بحدودها الدنيا ومن هنا تحققت تلك الإساءات والمخاطر في استغلال البيشمركة ( السلاح ) في المكان الخطأ من الأهداف المعلنة، وكان لتقادم السنيين لنفس القيادات بروز دكتاتور محلي تحيط به نخبة من الفاسدين وبالتالي تحقق ذلك العجيب في العراق عندما تلبس الضحية الجلاد فكرا وأخلاقا وسلوكا...

إن القاعدة الاجتماعية للبيشمركة في الغالب وضمن تخطيط مدروس هم من فلاحي وفقراء كوردستان أما ذوي التعليم وأبناء المدن وأصحاب النفوذ فكانت الأبواب مفتوحة لهم في المراكز القيادية أو في مساعدتهم من قبل هذه الأحزاب للذهاب إلى بلدان اللجوء لهذا فالنسيج الاجتماعي لقوى البيشمركة من حيث تدني الوعي الثقافي والسياسي المخطط سهل مهمة هذه الأحزاب في قيادة الناس في حروب وتوجهات سياسية طائشة وتحت شعارات براقة...

عندما أذكر كل هذه المساوئ لا يعني أبدا لم تكن هناك محطات مضيئة لهذه الحركة المجيدة التي ضمت مئات الآلاف من الناس خلال ثلاث عقود الأخيرة فقد كان بينهم الكثير من عشاق الحرية والعدل والذين أرادوا بصدق الدفاع عن حقوق الشعب الكردي والذين وهبوا حياتهم فداء للشعب في حروب عادلة حقا..بل ان بعضهم كان يناضل بصدق زاهدا الحياة والمغانم لكي لا تنحرف إرادة النضال..هناك نسور ورجال شجعان حلقوا في سماء هذه القضية وذادوا بالغالي والنفيس من أجل أن تستمر جذوة الحرية...لكن الأخطاء كثيرة وكبيرة وأدت إلى خسائر هائلة في تغييب حياة الآلاف من البشر الذين هم بالأساس هدف وغاية الثورة في عالم أفضل لهم ولأجيالهم اللاحقة...واليوم وبعد أن تحققت إنجازات كبيرة للشعب الكردي عراقيا وكردستانيا وسواء أستقل أخوتنا الأكراد أم بقوا ضمن إطار الدولة العراقية فوجود مليشيات يعني وجود سلطة الحزب وبالتالي يعني غياب الدولة كمؤسسة مستقلة تحمي الناس وتدافع عن سيادة الإقليم..ما يوجد اليوم في كوردستان هي سلطة الحزب موزعة حسب النفوذ الحزبي للحزبين الكبيرين وهذا لكل عاقل ومنصف يجب أن لا يستمر يجب أن توجد دولة فوق سائر مؤسسات المجتمع المدني حافظة للتوازن والأمن والعدالة وساهرة على تطبيق القانون..ان خوف الأحزاب الكردية من حل قوات البيشمركة يتأتى من هلعها بفقدان تلك السيطرة التي تستخدم تلك القوة لأغراض حزبية ولبقاء سلطة الحزب وهيبته مستمرة..أنا لا أحبذ رمي عشرات الآلاف من المناضلين إلى الشارع بل بالعكس يجب تكريمهم ودمجهم بمؤسسات الدولة المستقلة عبر احترام تاريخهم النضالي والاستفادة من سائر الكفاءات والخبرات التي اكتسبوها لكن على الدولة تخليصهم مع عبودية الولاء للحزب وجعلهم في ولاء لكوردستان حقا وبالتالي تحقيق تلك الاستقلالية الممكنة لهذه القوة في مستقبل أي صراع حزبي أو سياسي لكي لا يهدر الدم الكردي بشكل عبثي وبشعارات ديماغوجية ثانية...يجب العودة والاعتراف بطاقات الشعب في الذود عما تحقق بسياسة تراعي المصالح الاستراتيجية، تراعي الثبات في العلاقة مع شعوب المنطقة وليس على مبادئ التهريج والغلو فالثابت هو شعوب المنطقة أما الاحتماء بالعامل الخارجي فهو متغير دوما وكان يجب ان يستمر في الأذهان تلك النتائج الكارثة التي لحقت بالثورة عند التعويل على إيران أيام الشاه...!

ان المهمة العاجلة أمام الحكومة العراقية هي حل سائر المليشيات والتنظيمات المسلحة لتخليص الناس من سيطرة الأحزاب لان وجودها يتنافى تماما مع الديمقراطية ووجود البشمركة أو المليشيات يعني أن السلاح مخبأ لكل دافع ولكل حرب يريدها عقل هذا الحزب أو ذاك في فرض أجندة الخراب وحروب العبث...!

* سامي عبد الرحمن ( سامي سنجاري ) مناضل كردي جسور كان يريد تحديث الثورة وتخليصها من الفساد والعشائرية وقد ناصب الحزب الديمقراطي هذا القائد ومؤازريه العداء الشديد..وأعتقد ان عودة سامي عبد الرحمن إلى صفوف الحزب الديمقراطي تنطلق من ضرورة التغيير من الداخل وجاءت تلك الرغبة متناغمة مع مسعى الحزب لامتصاص النفوذ الجماهيري لسامي عبد الرحمن وخوصا بين الجيل الشاب في المدن عبر إعادته للحزب والتخلص منه بطريقة ما..هناك علامات استفهام كبيرة عن سبب اغتياله وتصفيته بهذه الطريقة وهذا يحتاج إلى تحقيق عادل مطروح أمام الجهات الكردية المستقلة حقا وليس التابعة للأحزاب...؟؟!!

* المقالة برمتها تستند على المعايشة والمشاهدات الحية والوثائق ...!