أثر البنية الموسيقيّة لشعر المتنبّيّ في شعر الجواهريّ

         أ. م . د . نجم عبد علي رئيس

    جامعة واسط / كلية التربية

الخلاصة:

    تتناول هذه الدراسة مظاهر البنية الموسيقيّة التي وافق فيها الجواهري المتنبّيّ المتمثّلة بالموسيقى الخارجيّة ، ومنها : الأوزان والقوافي ، وعدد القوافي المشتركة في القصائد التي اتّفق وزنها ورويّها في ديواني الشاعرين ، وما اتّفق للشاعرين من تعلّق ألفاظ بلفظ القافية في تلك القصائد ، ومظاهر الموسيقى الداخليّة ومنها : التكرار الحرفي في مطالع القصائد التي اتفق وزنها وقافيتها ، والتكرار اللفظيّ في تلك القصائد بأنماطه ومنها : ردّ الأعجاز على الصدور ، والجناس ، وتكرار بعض الأبنية الصرفيّة والنحويّة ، والتقسيم ، والتضادّ بنوعيه : الطباق والمقابلة ، والتضمين .

       يقرن كثيرون من دارسي الشعر محمّد مهديّ الجواهريّ بالمتنبّيّ لما في شعره من قدرة على التأثير ، وما يحمله هذا الشعر من سمات الجدّة ،  يقول د. عبد الكريم الدجيليّ : " إنّ شعر الجواهريّ فيه جدّة كلّما تكرّر وأعيد ، فحين أقرأ أيّ قصيدة من قصائده يخيّل إليّ أنّني أقرأ شعراً جديداً لم أعرفه من قبل مع العلم أنّ كل ما في القصيدة من آراء وفكر ، واتجاهات ومن قوّة أدبيّة خارقة في البناء والأسلوب ، ومن جلال فنّيّ هو في غاية الإبداع ، كلّ هذا أعرفه مسبقاً حين أشرع في قراءة قصيدة من قصائده ، ولكن مع هذا كلّه فهو جديد على تفكيري عند تكراره ، فهو شبيه بالمتنبّيّ في هذا الجانب إلى حدّ كبير " (1) ، ونظنّ أنّ تعلّق الجواهريّ بشعر المتنبّيّ هو الذي حمل د. جلال الخيّاط إلى القول : " إنّه شاعر عبّاسيّ أخطأه الزمن .. ووجوده:  في القرن العشرين يمثّل ظاهرةً غريبةً " (2) ،وتابع ذلك د. زاهد محمّد زهدي فقال  " إنّ الجواهريّ شاعر عبّاسيّ وُلد على أبواب القرن العشرين مع اختلاف في النفحة الشعريّة والالتصاق بهموم الناس " (3) ، فقد عاش الجواهريّ المرحلة المبكّرة من حياته وهو مبهور بهالة المتنبّيّ : " كان الشيخ عبد العزيز شقيق الجواهريّ يشرف على تربيته وتثقيفه بعد وفاة والده ، وكان يجبره على حفظ نصوص ... من شعر البارزين ... أمثال المتنبّيّ " (4) ،وهو يقرّ بتأثّره بشعر المتنبّيّ ، يقول : "أوّل تأثّري في دور الصبا كان بالمتنبّيّ .. كان عليّ كلّ يوم أن أحفظ قصيدةً من شعر المتنبّيّ " (5) ومن هنا وجدناه يقرن نفسه بالمتنبّيّ يقول في مذكّراته : " أيضيرني في شيء أن أكون إلى جانب .. المتنبّيّ .. وماذا كان يعوزني من ذلك كلّه لولا أن يجري في عروقي .. الدم العربيّ والعراقيّ والنجفيّ ، ولولا أنّني من مواطن المناذرة والنعامنة" (6)، وبذلك استطاع الجواهريّ أن يختزن الكثير من شعر المتنبّيّ ، فقد عشق المتنبّيّ ورأى فيه معلّمه الأوّل ، وجذره الراسخ في منابت التراث العربيّ .

     ويؤكّد الجواهريّ اعتزازه بشاعريّة المتنبّيّ فيشارك في المهرجان الذي أقيم في دمشق عام 1935 في الذكرى الألفيّة للمتنبّيّ بقصيدة ( الشاعر الجبّار )التي مطلعها :

                وُلد الألمعيُّ فالنجمُ واجمْ         باهتٌ من سطوعِ هذا المزاحِمْ (7)

    ويتمثّل شعر معلّمه : " فنقرأ ونلتمس في ديوانه الأوّل بصمات المتنبّيّ "(8) ، لكنّ هذا التمثّل إنّما كان في المراحل الأولى من حياة الجواهريّ فقد شهد العقدان الرابع والخامس من القرن العشرين الميلاديّ اكتمال شاعريّة الجواهريّ بعد المتغيّرات في الحياة السياسيّة والفكريّة في العراق ، وإن كان ذلك لم يمنع الشاعر من معاودة النظر في ديوان معلّمه الأوّل المتنبّيّ .

     وربّما كان مزاج الجواهريّ يشبه إلى حدّ كبير مزاج المتنبّيّ ، فقد كان الجواهريّ : " يجلّ كلّ متمرّد خارج على الأوضاع في عصره بمختلف صنوف التمرّد شريطة أن يرافقه عنصر بارز يؤهّله للتقدير والاحترام " (9) ، ولا نعتقد أنّ شاعراً بهذه الصفة مثل المتنبّيّ ، يقول الجواهريّ : " أنا أقرب إلى المتنبّيّ .. عنفاً ومغامرةً ، أنا فرخ المتنبّيّ " (10) ، فقد عاش كلا الشاعرين صراعاً مريراً بين الذات والواقع ، فسيرتهما تؤكّد أنّهما ليسا على توافق مع العالم : " ومن بواعث اعتداد الجواهريّ بالأنا إحساسه بالتفوّق والعظمة ، حتّى أصبحت هذه الحالة ظاهرةً انعكست على حياته وشعره ، وسمةً من سماته الشخصيّة ، تذكّرنا بصنوه المتنبّيّ ، وتغري الباحث أن يعقد موازنةً بينهما " (11)  ، لقد عاش الجواهريّ حالة اندماج مزاجيّ مع المتنبّيّ لما عُرف به الأخير من رفضٍ للظلم والذلّ ومن مقتٍ لطبقة الحاكمين : " لم يكتفِ الجواهريّ بالتماهي  مع المتنبّيّ : شخصه وفكره ومقاساته بل إنّه راح يستمدّ منه تبريراً وتزكيةً لرفضه مجتمعه العراقيّ المعاصر الذي لم يتغيّر كثيراً عمّا تركه عليه المتنبّيّ ، رغم مرور الألف عام التي تفصل بينهما حتّى لكأنّ ديناميكيّة الزمن التي تحرّك العالم تتوقّف أو تعقم عن الفعل في هذا المجتمع الذي لا يتقدّم خطوةً إلا ليتراجع خطوتين " (12) ، يقول الجواهريّ في قصيدته (يا ابن الفراتين) التي نظمها عام 1969 :

 

           أنا ابنُ كوفتِكَ الحمراءِ لي طنبٌ             بـها وإنْ طـاحَ من أركانِـهِ عمــدُ

           جوارُ  كوخِـكَ لا ماءٌ ولا شجرٌ              ولصـقُ روحِـكَ لا مـالٌ ولا صفــدُ

           فكنْ أبا الطيّبِ الجبّارَ لي مدداً             ولـي بـما صُغْـتَ من جبّارةٍ مــددُ

           يا شاغلَ الدهرِ أجيالاً وأحقـبـةً            ومتعبَ الناسِ من ذمّوا ومن حمدوا

           أبا محسّدٍ دنيا رحْتَ تمخَـضُها             فـما تـلقّـفُ إلا ما نـفـى الـزبُـــدُ

           أشرفْ عليها تجدْها مثلما تُركَتْ           كـأنّـها من رسـوخٍ مـثـقـلٍ أُحُــدُ

           نحن الغريران في دنيا بها صببٌ         في المعطيـاتِ بنا عن مثـلِهِ صُعـُدُ(13)

 

      وعاد عام 1977 لينظم نونيّته الشهيرة (فتى الفتيان المتنبّي) التي مطلعها:

 

            تحدّى الموتَ واختزلَ الزمانا                  فتىً لوّى من الزمنِ العِنانا (14)

 

                                                *****

      استقى الجواهريّ بعض بنيته الموسيقيّة من مخزونه الثقافيّ المتضمّن روائع شعر المتنبّيّ ، وأنّ هذا المخزون هو الذي كان يستعين به في إكساب بعض مفرداته القدرة على الإيحاء والتنغيم بإشارات متنبّويّة فـ : " إذا نظرنا إلى النصّ (نصّ الجواهريّ) من حيث هو بمفرداته ولغته سنلحظ عاملاً يتميّز به الجواهريّ ، يتمثّل في شحن المؤثّرات بزخم هائل من الإيحاء التراثيّ ، وهذا يستقطب ويسحر المتلقّي " (15) ، ويؤكّد د . شكري عيّاد اهتمام الشاعر برنين القوافي ، فيقول : " لا يزال الجواهريّ يواصل رسالة الشعر العربيّ التي دأب عليها من عهد المتنبّيّ إلى عهد حافظ ، وكان رنين قوافيه يُفلح في إثارة الجماهير أحياناً " (16) ،وليس ذلك غريباُ على شاعر مثل الجواهريّ بوصفه رائد الكلاسيكيّة الجديدة .

 

                                         الموسيقى الخارجيّة

 الأوزان:

 

    بلغ عدد القصائد التي وافق فيها الجواهريّ معلّمه المتنبّيّ وزناً وقافيةً ورويّاً واشتمالاً على بعض مظاهر البنية الموسيقيّة لاسيّما استعماله ألفاظ قافية المتنبّيّ سبعاً وعشرين قصيدةً ، يتقدّمها الطويل في تسع قصائد هي : (الملك حسين) 1/511 ، و(المُحرِّقة) 2/85 ، و (إلى الباجه جي في محنته) 2/199 ، و (عقابيل داء) 2/217 ، و (الزهاويّ) 2/293 ، و (ربأت بنفسي) 2/307 ، و(الإقطاع) 2/357 ، و(تونس) 3/63 ، و(المستنصريّة) 5/35 . ثمّ الوافر في سبع قصائد هي : (فيصل السعود) 2/125 ، و(عمر الفاخوريّ) 3/173 ، و(أخي إلياس) ، 3/183 ، و (فلسطين) 3/319 ، و (قفص العظام) 4/83 ، و (إلى وفود المشرقين تحيّة) 6/161 ، و (تحيّة ونفثة غاضبة) 6/175 . ثمّ البسيط في ست قصائد هي : (ليت الذي بك) 1/307 ، و (في الأربعين) 1/517 ، و(وادي العرائش) 2/241 ، و (إلى الشباب السوريّ) 2/337 ، و (أبو العلاء المعرّيّ) 3/83 ، و (الخطوب الخلاقة) 5/253 . ثمّ الكامل في خمس قصائد هي : (إلى السعدون) 1/497 ، و (ناغيت لبناناً) ، 3/241 ، و (هاشم الوتريّ) 3/395 ، و (عبد الحميد كرامي) ، 4/39 ، و (جيش العراق) 4/299 .   

      ولم يكن اختيار الجواهريّ الأوزان المذكورة من ديوان المتنبّيّ محض مصادفة ، فإذا كان المتنبّيّ قد عُرف بعلوّ النغم لما تُمليه عليه المجالس الأدبيّة في حلب والفسطاط وشيراز من مظاهر التحدّي ، ولما أحاط به الشاعر نفسه من مظاهر العظمة والكبرياء ، فإنّ الجواهريّ عُرف بموسيقاه القويّة الرنّانة المنبعثة من أكثر الأوزان إحداثاً للرنين : " فإذا علمنا أنّ معظم هذا الشعر كان يعدّه الجواهريّ ليلقيه في المحافل العامّة أدركنا السبب الذي كان يدعوه إلى هذا الاختيار في الأوزان " (17) ، لاسيّما إنّ أغلب هذه القصائد تصوّر الأحداث السياسيّة أو تعبّر عن مواقف الشاعر من السلطة السياسيّة .        

   وشملت هذه الدراسة عشر قصائد أخرى اختلف رويّها أو قافيتها أو وزنها مع قصائد المتنبّيّ لكنّها اشتملت على بعض مظاهر البنية الموسيقيّة ، كانت حصّة البحر البسيط منها أربع قصائد هي : (على ذكرى الربيع) 1/297 ، و (يا دجلة الخير) 5/83  ، و (إلى الشباب السوريّ)  2/337 ، و (اللاجئة في العيد) 4/115 ، وحصّة البحر الكامل منها أربع قصائد أيضاُ هي : (ذكرى أبو التمّن) 3/139 ، و (شاغور حمانا) 2/345 ، و (يا بنت رسطاليس) 3/195 ، و (إلى الشعب المصريّ) 4/25 ، وانفرد البحر الطويل بقصيدة واحدة هي : (الأنانيّة) 2/131 ، كما انفرد البحر الخفيف بقصيدة واحدة هي : (أيّها الفارس) 6/35 .

 

القوافي:

 

    استأثرت قافية الباء بسبع قصائد من بين القصائد التي اتّفق وزنها وقافيتها ورويّها مع قصائد المتنبّيّ هي : (ليت الذي بك) ، (عقابيل داء) ، (تونس) ، (أبو العلاء المعرّيّ) ، (هاشم الوتريّ) ، (المستنصريّة) ، و (إلى وفود المشرقين تحيّة) . وكانت حصّة الميم خمس قصائد هي : (في الأربعين) ، (إلى الباجه جي في نكبته) ، (الإقطاع) ، (قفص العظام) ، و (الخطوب الخلاقة) . أمّا الدال فكانت حصّتها ثلاث قصائد هي : (وادي العرائش) ، (الزهاويّ) ، و (فلسطين) . وكان نصيب اللام ثلاث قصائد أيضاً هي : (أخي إلياس) ، (ناغيت لبناناً) ، و (تحيّة ونفثة غاضبة) . وكان نصيب النون ثلاث قصائد أيضاً هي : (فيصل السعود) ، (عمر الفاخوريّ) ، و(جيش العراق) . أمّا الراء فكانت حصّتها قصيدتين هما : (المحرّقة) ، و (عبد الحميد كرامي) .ومثل ذلك للعين وهما : (إلى السعدون) ، و (إلى الشباب السوريّ) . أمّا القاف فقد انفردت بقصيدة واحدة هي : (الملك حسين) . ولم تتخلّف الياء عن الانفراد بقصيدة واحدة هي : (ربأت بنفسي) . ولم يأت اختيار الجواهريّ هذه القوافي إلا لعلمه أنّها من القوافي الذُلل الجياد التي استحسنها القدماء وأجاد فيها الشعراء ليسرها وسهولة مخارجها فسمّوها (الذُلل)(18) .

 

 

           جدول يبيّن نسبة تأثّر قصيدة الجواهريّ بقوافي قصيدة المتنبّيّ

  

التسلسل

عنوان قصيدة الجواهريّ

مطلع قصيدة المتنبّيّ

عدد القوافي المشتركة

عدد أبيات قصيدة المتنبّيّ

عدد أبيات قصيدة الجواهريّ

نسبة القوافي المشتركة في قصيدة الجواهريّ

     1

فيصل السعود

مغاني الشِعب طيباً في المغاني

     28

     48

     47

     5/59 %

     2

قفص العظام

ملومكما يجلّ  عن الملام

     19

     41

      33

     5/57 %

     3

ليت الذي بك

يا أخت خير أخ يا بنت خير أب

     21

     44

      40

     5/52 %

     4

أخي إلياس

نعدّ المشرفيّة والعوالي

     10

     44

      20

      50 %

     5

عمر الفاخوريّ

مغاني الشِعب طيباً في المغاني

     24

     48

      50

      48 %

     6

تونــس

فديناك من      ربع وإنْ زدتنا كربا

     42

     45

      95

     2/44 %   

     7

في الأربعين

وا حرّ قلباه ممّن قلبه شبم

     25

     38

      61

     9/40 %

      8   

         

    

الخطوب الخلاقة

عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم

     32

     55

     80

      40%

      9

تحيّة ونفثة غاضبة

بقائي شاء ليس هم ارتحالا

     33

     47

     84

     2/39 %

     10       

إلى الشباب السوريّ

غيري بأكثر هذا الناس ينخدع

     20

      48

     52

    4/ 38 %

     11

الزهاويّ

عواذل ذات الخال فيّ حواسد

     13

      43

     34

     2/ 38 %

     12

إلى وفود المشرقين تحيّة

بغيرك راعياً عبث الذئاب

     35

      42

     93

     7/37 %

     13

الملك حسين

لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي

     20

      43

     59

     8/33 %

     14

فلسطين

أحاد أم سداس في أحاد  

     34

      43

     101

    6/ 33 %

     15

إلى الباجه جي في نكبته

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

     17

     46

     51

     3/33 %

     16

إلى السعدون

الحزن يُقلق والتجمّل يردع

     18

     41

      60

     30 %

     17

المستنصريّة

أغالب فيك الشوق والشوق أغلب

     23

     47

      78

    4/29%

    18

وادي العرائش

عيدٌ بأيّة حال عدت يا عيد

      14

     28

      53

    4/26%

    19

أبو العلاء المعرّيّ

دمعٌ جرى فقضى بالربع ما وجبا

      24

     39

      91

    3/26 %

    20

عقابيل داء

أغالب فيك الشوق والشوق أغلب

     17

     47

      73

    2/23%

    21

ناغيتُ لبناناً

في الخدّ أن عزم الخليط رحيلا

      22

     47

      102

    5/21%

    22

ربأتُ بنفسي

كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا

      11

     47

       52

    1/21%

    23

هاشم الوتريّ

بأبي الشموس الجانحات غواربا

      27

     40

      131

    6/20%

    24

المُحَرِّقة

أفيقا خمار الهمّ بغّضني الخمرا

      13

     30

      64

   3/20%         

    25

جيش العراق

الحبّ ما منع الكلام الألسنا

      20

      41

      114

    5/17%

    26

الإقطاع

أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم

       6

      36

      49

    2/12%     

    27

عبد الحميد كرامي

سرْ  حلّ  حيثُ تحلّه النوّار 

      13

      15

      144

      9%

 

 

التصريع والتقفية :

 

       وممّا يتّصل بالقافية استعمال الجواهريّ التصريع في بعض مطالع تلك القصائد ليزيد بذلك من علوّ النغم متأثّراً بذلك بمعلّمه المتنبّيّ : " ففي قصيدة (تونس) ألحق العروض (لك العذبا) بالضرب بزيادة ، بمعنى أنّ عروض الطويل لا تجيء إلا مقبوضةً (مفاعلن) لكنّ الشاعر استعملها من نفس الضرب التامّ (مفاعيلن) لإحداث هذه الوقفة الموسيقيّة وإحداث القرع المطلوب في حواسّ المتلقّي " (19) ، ومن أمثلة ذلك قول الجواهريّ في مطلع قصيدته (تونس) :

 

       رِدِي يا خيولَ اللهِ منهلَكِ العذبا                ويا شرقُ عُدْ للغربِ فاقتحمِ الغربا (20)

 

وكان المتنبّيّ قد قال في مطلع قصيدة مدح بها سيف الدولة الحمدانيّ :

 

      فديناكَ من ربعٍ وإنْ زدتَنا كربا                 فإنّك كنتَ الشرقَ للشمسِ والغربا (21)

 

 وقد لا يجد الجواهريّ متّسعاً في الوزن الذي اختار عروضه لتصريع مطلع قصيدته : " فيلجأ إلى أسلوب آخر لإحداث موسيقاه ، باستخدام ظاهرة (التقفية) في البيت كما نجد في قصيدته (هاشم الوتريّ) :

 

          مجّدتُ فيكَ مشاعراً ومواهبا                وقضيتُ فرضاً للنوابغِ واجبا

 

فقد جاء البيت متساوياً في العروض والضرب من الكامل (متفاعلن) ، وأكثر من ذلك حدث هذا الاختيار للحرف (الباء) إذ قفّى به الشاعر ما بين العروض والضرب " (22) ، وكان المتنبّيّ قد استعمل ظاهرة التقفية في مطلع قصيدته التي مدح بها عليّ بن منصور الحاجب :

 

        بأبي الشموسُ الجانحاتُ غواربا           اللابساتُ من الحريرِ جلاببا (23)

 

  ولم يكتفِ الجواهريّ بتقفية المطلع بل جارى معلّمه الكبير في استعمال التقفية الداخليّة في بعض أبيات القصيدة : " ليغيّر نبرة النغم ويحدث الصدمة الإيقاعية ، فنراه في قصيدة (الوتريّ) يعود في منتصف القصيدة لإحداث التقفية :

 

                       وزقاقَ خمرٍ تستجدُّ مساحبا              وهشيمَ ريحانٍ يُذرَّى جانبا " (24)

 

ولكنّ المتنبّيّ كان قد أكثر من التقفية الداخليّة في قصيدته (بأبي الشموس) فقال في البيت الرابع:

                      حاولْنَ تفديتي وخفْنَ مراقبا               فوضعْنَ أيديهنَّ فوقَ ترائبا (25)

 وقال في البيت التاسع عشر :

                      أو هارباً أو طالباً أو راغبا                   أو راهباً أو هالكاً أو نادبا (26)

وقال في البيت الثامن والعشرين :

                     هذا الذي أفنى النُضارَ مواهبا              وعداهُ قتلاً والزمانَ تجاربا (27)

وقال في البيت االخامس والثلاثين :

                     شادوا مناقبَهم وشدْتَ مناقبا                 وُجدَتْ مناقبُهم بهنَّ مثالبا (28)

وكذلك جاء مطلع قصيدة الجواهريّ (المستنصريّة) وفقاً لأسلوب التقفية :

                  أعدْ مجدَ بغدادٍ ومجدُكَ أغلبُ                 وجدِّدْ لها عهداً وعهدُكَ أطيبُ (29)

وكان المتنبّيّ قد قال في كافور:

                  أُغالبُ فيكَ الشوقَ والشوقُ أغلبُ          وأعجبُ من ذا الهجرِ والوصلُ أعجبُ (30)

وإذا كان المتنبّيّ قد لجأ في قصيدته هذه مرّةً واحدةً إلى التقفية الداخليّة ، إذ قال في البيت الثامن والعشرين :

                 وكلُّ امرىءٍ يولي الجميلَ مُحبّبُ                 وكلُّ مكانٍ يُنبتُ العزَّ طيّبُ (31)

 

فإنّ الجواهريّ قد فاق معلّمه في ذلك إذ لجأ إلى التقفية الداخليّة ثماني مرّات ، يقول الجواهريّ في البيت السابع :

                 حنانيك إنّ الدهرَ يطفو ويرسبُ                   وإلمامةَ الدنيا تجيءُ وتذهبُ (32)

ويقول في البيت الثامن عشر :

                 وكانَ لك الجيشانِ جيشٌ مدرَّبُ               وآخرُ أقوى منهُ قلبٌ مـــــــدرَّبُ (33)

ويقول في البيت الثلاثين:

                 يضرُّ بها جدَبُ الرجالِ فتُجدِبُ                وينعشُها خِصبُ النفوسِ فتُخصِبُ (34)

وفي البيت الخامس والثلاثين :

                 بباريسَ لونٌ أريحيٌّ مُهَــــــذبُ                وفي الصينِ لونٌ فلسفيٌّ مُســــــبَّبُ (35)

 وفي البيت الثامن والثلاثين :

                ولم يُحتجزْ رهناً لغاوينَ يعــــربُ              أبو كلِّ من حامى عن الضــــادِ يعرُبُ (36)

وفي البيت السادس والخمسين :

                حنانيكَ هبْ غطّى على االحقِّ غيْهبُ           فهل فَلَقُ الإصباحِ يُمحَى ويُشطبُ (37)

وفي البيت الثامن والخمسين :

                 أزلْ سخطةً عنهم فأنتَ لهم أبٌ                 وحسبُكَ تأديباً ونِعمَ المؤدِّبُ (38)

 وفي البيت الثالث والستين :

                 حنانيكَ إنّا ساعدٌ حينَ تضربُ                وغضبتُكَ الحمراءُ أيّانَ تغضبُ (39)

ما تعلّق بلفظ القافية من ألفاظ :

   لم يكتف الجواهريّ باستعمال قوافي قصيدة المتنبّيّ بل تجاوز ذلك إلى استعمال ما تعلّق بتلك القوافي من ألفاظ ، فصورة الموت الذي تتلاطم أمواجه لم تفارق مخيّلة الجواهريّ فهو يقول في قصيدته (في الأربعين) التي أبّن فيها السعدون :

               ما ناشَ كفَّكَ من تيّارِهِ بللٌ            لمّا تحدّاكَ (موجُ الموتِ يلتطمُ) (40 )

  فهذه الصورة الاستعاريّة لها جذر في قصيدة المتنبّيّ الشهيرة في مدح سيف الدولة :

              ومرهفٍ سرْتُ بينَ الجحفلينِ به       حتّى ضربْتُ و(موجُ الموتِ يلتطمُ)(41)

وصورة الرزدق (الصفّ) الذي يتلوه رزدق ، لم تغب عن مخيّلة الجواهريّ ، بل هو وافق صاحبه في استعمال هذا اللفظ النادر ، يقول الجواهريّ في قصيدته التي مدح بها (الملك حسين) :

         تمشَّتْ بها تعتاقُها عن نهوضِها        خطوبُ الليالي (رزدقاً بعدَ رزدقِ)(42)

وكان المتنبّيّ قد قال في وصف شجاعة جيش سيف الدولة الحمدانيّ وحسن بلائه في جيش الروم  :

              لقد وردوا وردَ القطا شفراتِها          ومرّوا عليها (رزدقاً بعدَ رزدقِ) (43)

وصورة (الغيد الأماليد) لم تفارق مخيّلة الجواهريّ ، فهو يقول في قصيدته (وادي العرائش) :

         لله درُّ العشيّاتِ الحسانِ بها            يُسرجْنَ ظُلمتَها (الغيدُ الأماليدُ) (44)

 

وكان المتنبّيّ قد قال في قصيدته الشهيرة في هجاء كافور :

                  وكان أطيبَ من سيفي معانقةً            أشباه رونقِهِ (الغيدُ الأماليدُ) (45)

وقال الجواهريّ في القصيدة نفسها :

                 إيّاكَ والفتنةَ الكبرى فنظرتُها            مسحورةٌ كلُّها (همٌّ وتسهيدُ) (46)

وكان المتنبّيّ قد قال في القصيدة نفسها :

                يا ساقييَّ أخمرٌ في كؤوسِكما             أم في كؤوسِكما(همٌّ وتسهيدُ) (47)

وبعض ما تعلّق بلفظ القافية هو من الطباق البلاغيّ، يقول الجواهريّ في مطلع قصيدته (الملك حسين) :

                أرى الشعبَ في أشواقِهِ كالمعلَّقِ             لما حدّثوهُ عنكَ (يرجو ويتَّقي)(48)

وكان المتنبّيّ قد قال :

               وأحلى الهوى ما شكَّ في الوصلِ ربُّهُ      وفي الهجرِ فهو الدهرَ (يرجو ويتَّقي)(49)

                                 الموسيقى الداخليّ

التكرار الحرفيّ في المطالع :

    تجسّد التكرار الحرفيّ بشكل لافت للنظر في مطالع القصائد المتّفقة الوزن والقافية والرويّ عند الشاعرين ، ولا سيّما حرف الرويّ الذي تُبنى عليه القصيدة ، وعُرف عن المتنبّيّ أنّه كان : "يُكثف من تكرار بعض الحروف ، ليس لمسألة فنّيّة فقط ، بل إنّه يفعل هذا ليُحدث هزّةً مفاجئةً في المستمع أو القارىء " (50) ،وقد أخذ التلميذ من المعلّم شيئاً من ذلك ، يقول الجواهريّ في قصيدته (إلى وفود المشرقين تحيّة) التي ألقاها في المؤتمر التضامنيّ مع شعب الخليج الذي أقامته منظّمة تضامن الشعوب الآسيويّة والإفريقيّة عام 1974 :

                حللتُم مثلما حلَّ السحابُ                     وطبتُمْ مثلما طابَ الشبابُ (51)

وهي على وزن وقافية ورويّ قصيدة المتنبّيّ في مدح سيف الدولة :

                بغيرِكَ راعياً عبثَ الذئابُ                   وغيرَك صارماً ثلمَ الضرابُ (52)

فقد تكرّرت (الباء) في بيت الجواهريّ خمس مرّات وفي بيت المتنبّيّ أربع مرّات ، ويلاحظ أنّ نسق التركيب الشعريّ في كلّ من الصدر والعجز قد تطابق في كلا المطلعين ممّا منح المطلعين تدفّقاً نغميّاً يستشعرهما القارىء وهو يطالع هذين المستهلّين،فعند المتنبّيّ (بغيرك) في مقابل (وغيرك) و(راعياً) في مقابل (صارماً) و(عبث) في مقابل (ثلم) و(الذئاب) في مقابل(الضراب) ، أمّا في بيت الجواهريّ فنجد (حللتم) في مقابل (وطبتم) و (مثلما) في مقابل نظيرتها (مثلما) و (حلّ) في مقابل (طاب) و(السحاب) في مقابل (الشباب) ، فإذا علمنا أنّ هذه الألفاظ متوازنة صرفيّاً وعروضيّاً أدركنا سرّ هذا التدفّق النغميّ في كلا المطلعين .

    وربّما زاوج الشاعران مع حرف الرويّ صوتاً آخر ممّا يشكّل نغماً إضافيّاً يشدّ من أزر البنية الموسيقيّة ، يقول الجواهريّ في مطلع قصيدته (المحرّقة) :

               أحاولُ خرقاً في الحياةِ فما أجرا         وآسفُ أنْ أمضي ولم أُبْقِ لي ذكرا(53)

وهي على وزن وقافية ورويّ قصيدة المتنبّيّ ، بل وجوّها النفسيّ أيضاً ، فقصيدة الجواهريّ نظمها الشاعر وقد كان في أزمة نفسيّة حادّة على أثر ظروف خاصّة عنيفة وملابسات سياسيّة واقتصاديّة ، أمّا قصيدة المتنبّيّ فهي تحمل كلّ أحزانه وهمومه وحنقه على كافور ، قال المتنبّيّ :

                أفيقا خمارُ الهمِّ بغّضني الخمرا            وسُكري من الأيّامِ جنَّبني السُكرا(54)

ويتّضح من قراءة المطلعين أنّ الشاعرين استعملا إيقاعاً مزدوجاً مكوّناً من حرف الرويّ (الراء) و(الف المدّ) ، فقد استعمل الجواهريّ (الراء) ثلاث مرّات و (ألف المدّ) ست مرّات ، واستعمل المتنبّيّ (الراء) أربع مرّات و (ألف المدّ) خمس مرّات ، وقد بدت هذه المزاوجة أجمل في بيت المتنبّيّ لأنّها اعتمدت على أسلوب التكرار اللفظيّ :(خمار .. الخمرا) و (سكري .. السكرا)الذي أكسب البيت إيقاعاً جميلاً.

     ويقول الجواهريّ في مطلع قصيدته الشهيرة (أبو العلاء المعرّيّ) :

                قفْ بالمعرّةِ وامسحْ خدَّها التَّرِبا         واستوحِ من طوّقَ الدنيا بما وهَبا (55)

" فإذا ما حاولنا إرجاع قصيدة (المعرّيّ) إلى أماكن التراث التي كانت تلحّ على الشاعر دائماً فلن تجد سوى قصيدة المتنبّيّ التي مدح بها المغيث بن بشر العجليّ التي مطلعها :

               دمعٌ جرى فقضَى في الربعِ ما وجَبا            لأهلِهِ  وشفى  أنَّى  ولا كرَبا

نجد أصداءها الموسيقيّة بوزنها ووحداتها الصوتيّة " (56) ، وقد زاوج كلا الشاعرين بين صوتي (الباء) و (ألف المدّ) ، إذ استعمل الجواهريّ كلا من (الباء) و (ألف المدّ) أربع مرّات ، واستعمل المتنبّيّ (الباء) ثلاث مرّات ، و (ألف المدّ) ثماني مرّات توزّعها شطرا البيت بالتساوي .

    ويقول الجواهريّ في قصيدته التي مدح بها (هاشم الوتريّ) وكان عميداً للكلّيّة الطبّيّة ، بمناسبة انتخابه عضواً شرفاً في الجمعيّة الطبّيّة البريطانيّة :

              مجَّدْتُ فيكَ مشاعراً ومواهبا               وقضيْتُ فرضاً للنوابغِ واجبا (57)

وهي على وزن وقافية ورويّ وموضوع قصيدة المتنبّيّ في مدح عليّ بن منصور الحاجب :

              بأبي الشموسُ الجانحاتُ غواربا            اللابساتُ من الحريرِ جلاببا (58)

فقد استعمل الشاعران أسلوب التكرار لصوت الرويّ (الباء) و (ألف المدّ) ، إذ تكرّرت (الباء) في بيت الجواهريّ ثلاث مرّات ، وتكرّرت (ألف المدّ) ستّ مرّات ، أمّا بيت المتنبّيّ فقد تكرّرت فيه (الباء) ستّ مرّات ، وتكرّرت (ألف المدّ) سبع مرّات ، ويعود قسم من هذا التكرار إلى أنّ الشاعرين جنحا إلى تكرار بعض الصيغ الصرفيّة : (مشاعراً ومواهباً) عند الجواهريّ ، و(الجانحات .. اللابسات) عند المتنبّيّ .

     وقال الجواهريّ في مطلع قصيدته التي أبّن فيها (عبد الحميد كرامي) في بيروت عام 1950  :  

               باقٍ وأعمارُ الطغاة ِ قصارُ               من سفرِ مجدكَ عاطرٌ موّارُ (59)

وهي على وزن وقافية ورويّ قصيدة المتنبّيّ في مدح سيف الدولة الحمدانيّ :

               سرْ حلَّ حيثُ تحلُّهُ النُوّارُ                وأرادَ فيكَ مُرادَكَ المقدارُ  (60)

فقد زاوج الشاعران بين صوت الرويّ (الراء) و (ألف المدّ) ، إذ تكرّرت (الراء) خمس مرّات في كلا المطلعين ، وتكرّرت (ألف المدّ) أربع مرّات في بيت المتنبّيّ ، وستّ مرّات في بيت الجواهريّ .

 

  التكرار اللفظيّ:

   استعمل الجواهريّ التكرار اللفظيّ المتنبّويّ أحياناً من أجل منح البيت الشعريّ نغماً إضافيّاً ، لاسيّما أنّ هذا التكرار وقع في قصائد متّفقة الوزن والقافية والرويّ،قال المتنبّيّ في مدح سيف الدولة الحمدانيّ :

                     كفى عجباً أنْ يَعجبَ الناسُ أنّهُ          بنى مرعشاً (تبّاً) لآرائهم (تبّا)(61)

فإذا بالجواهريّ ينقل هذه النغمة إلى أجواء الحماسة يوم أنزل الحلفاء قوّاتهم في الحرب العالميّة الثانية ، في شمال إفريقيا ،  يقول الجواهريّ في قصيدته (تونس) :

                    أراد التي من دونِها أنتَ والوغى        وعدلُ القضا (تبّاً) لما رامَه (تبّا)(62)

وقال المتنبّيّ مخاطباً سيف الدولة في تلكم القصيدة :

                    هنيئاً لأهلِ الثغرِ رأيُك فيهمُ           وأنّكَ (حزبُ) اللهِ صرتَ لهم (حزبا)(63)

فإذا بالجواهريّ ينقل هذه النغمة ، فيقول في قصيدته تلك مخاطباً الحلفاء :

                   أريدوا بنا خيراً نعدْكم بمثلِهِ          وكونوا لنا (حزباً) نكنْ لكم (حزبا)(64)    

ويمكن للقارىء أنْ يرى أنّ الشاعرين أجريا هذا التكرار في عجزي بيتيهما ممّا يدلّ دلالة واضحة على مدى تأثّر التلميذ بمعلّمه، ورسوخ هذه النغمة في ذاكرته ،تسعفه في ذلك كثرة محفوظه من شعر معلّمه .                                                         

   ومن أنماط هذا التكرار ما اصطلح عليه البلاغيّون  ردّ الأعجاز على الصدور ، مضيفاً بذلك نغماً إضافيّاً في قصائد متّفقة الوزن والقافية والرويّ ، ومن ذلك قوله في قصيدته التي مدح بها د . (هاشم الوتريّ) عميد الكليّة الطبّيّة ، مذكّراً بأفعال المستعمرين :

                 و(أذابَهم) في الموبقاتِ فأصبحوا            منها فجوراً في فجورٍ (ذائبا) (65)

 وكان المتنبّيّ قد قال في مقدّمة قصيدته التي مدح بها عليّ بن منصور الحاجب :

                 وبسمْنَ عن بردٍ خشيتُ (أذيبُهُ)             من حرِّ أنفاسي فكنتُ (الذائبا) (66)

ويقول الجواهريّ في تلك القصيدة :

                ليت الموالي (يغصبون) بأمرِهم          بل ليتهم يترسَّمون (الغاصبا) (67)

وكان المتنبّيّ قد قال في تلكم القصيدة :

                ودعوْهُ من فرطِ السخاءِ مبذِّراً           ودعوْهُ من(غصبِ)النفوسِ(الغاصبا)(68)

     ومن أنماط هذا التكرار ما اصطلح عليه البلاغيّون الجناس البديعيّ ، وبذلك يضيف الجواهريّ نغمةً أخرى من أنغام معلّمه ، يقول في قصيدته (غضبة) التي نظمها عام 1948 على أثر تعريض صحيفة منسوبة إلى أحد الأحزاب العراقيّة بالشاعر كذباً وافتراءً :

                بادي الغباءَ تكاد ُ تقرؤُهُ                    بالظنِّ لا (خَبَرٌ) ولا (خُبْرُ) (69)

وكان المتنبّيّ قد قال في مدح عليّ بن أحمد بن عامر الأنطاكيّ :

               وأستكبرُ الأخبارَ قبلَ لقائِهِ                 فلمّا التقيْنا صغَّرَ(الخَبَرَ)(الخُبْرُ)(70)

وبذلك يكون الجواهريّ قد نقل النغمة من المدح إلى الهجاء .

     ومن أنماط التكرار تكرار أبنية صرفيّة متَّفقة الوزن الصرفي ، فقد كرّر الجواهريّ بعض الأبنية الصرفيّة متأثّراً بأسلوب المتنبّيّ ليزيد بذلك من تدفّق النغم الشعريّ ، ومن ذلك تكرار صيغة اسم الفاعل لجماعة الذكور تكراراً أفقيّاً وعموديّاً ، يقول الجواهريّ في قصيدته (ذكرى أبو التمّن) التي نظمها بمناسبة الحفل الأربعينيّ الكبير الذي أقيم لذكرى (محمّد جعفر أبو التمّن) مخاطباً شباب الرافدين :

        (الحامليـنَ) من الفـوادحِ  ثـقـلَــها                 ليسـوا  بأنكـاسٍ  ولا أغمـارِ

        و(الذائدينَ) عن الحياض إذا انتحَتْ              كُـرَبٌ  ولاذَ  مُـكابـرٌ  بفـرارِ

        و(الباذلينَ) عن الكرامةِ ـ أُرخصَتْ ـ            أغلى المهـورِ  وأفـدحَ الأسعارِ

        و(الحابسيـنَ)  زئيرَهم  بصدورِهـم              فإذا انفجرْنَ به فأيُّ ضواري

        و(القانعـينَ) من  الحيـاةِ  رخـيَّــةً                بلُماظةٍ ومن الكرى بغرار (71)

وعلى هذا النمط من التكرار يقول الجواهريّ في قصيدته (هاشم الوتريّ) مذكّراً بتضحيات (غرر الشباب التي زُفّت إلى التراب كواكبا) :

         (الحاضنينَ) جراحَـهم وكأنّـهم                    يتحضَّـنونَ خرائـداً وكواعـبا 

         و(الصابرينَ)  الواهبينَ نفوسهم                و(المُخجلينَ) بها الكريمَ الواهبا (72)

وفي هذه القصيدة : " استطاع الجواهريّ أن يحوّل أيّة مناسبة إلى فرصة لتقريع الحكّام وجرّهم إلى حلبة الصراع ، مدفوعاً بالشموخ والتحدّي :

          أُنبيكَ عن شرِّ الطغامِ مفاجراً                   ومفاخراً  ومساعياً  ومكاسبا

         (الشاربيـنَ) دمَ الشبابِ لأنَّـهُ                     لو نال من دمهم لكانَ الشاربا

         و(الحاقدينَ) على البلادِ لأنَّها                    حقرتهُمُ حقرَ السليبِ السالبا " (73)

وهو باستخدامه هذه النغمة يعرّي عيوب الخصم بطريقة يقوم التهكّم فيها بإماطة اللثام عن واقع خاوٍ مترهّلِ وقميء (74) ، وهي نغمة المتنبّيّ لكنّها في قصيدة مدح بها أبا أيّوب أحمد بن عمران:

          (الثابتينَ) فروسةً كجلودِها                       في ظهرِها والطعنُ في لبّاتِها

          (العارفينَ) بها كما عرفتهُمُ                      و(الراكبينَ) جدودُهم أُمّاتِها (75)

ولعلّ اتّفاق الوزن الشعريّ في هذه الأمثلة ـ وهو البحر الكامل ـ هو السبب في رسوخ هذه النغمة عند الجواهريّ لاسيَّما أنّ الوزن الصرفي (الفاعلين) يقابل الوزن العروضيّ (مستفعلن) .

     ونقل المتنبّيّ هذه النغمة في تكرار استعمال اسم الفاعل لجماعة الذكور من البحر الكامل إلى البحر البسيط فقال في مدح المُغيث بن عليّ بن بشر العجليّ :

         (التاركينَ) من الأشياءِ أهونَها               و(الراكبينَ) من الأشياءِ ما صعبا(76)

فإذا بالجواهريّ ينقل هذه النغمة إلى أجواء الربيع ، وأحاديث العشّاق يقول في قصيدته (على ذكرى الربيع) :

         (الضاربينَ) خيامَ الحبِّ طاهرةً             و(الدّاعميها) من التقوى بأوتادِ                                     

         و(المُطربينَ) لشكوى الحبِّ معلنةً          (مستبدلينَ) بها عن جسِّ أعوادِ (77)

ويقول الجواهريّ على هذا النمط من التكرار في قصيدته (يا دجلة الخير) التي نظمها عام 1962 ، وكان الشاعر يمرّ بأزمة نفسيّة حادّة أثر اضطراره إلى مغادرة العراق هو وعائلته ، والإقامة في مغتربه في جيكوسلوفاكيا ، مُذكّراً بالأذلاء الذين ظهروا بمظهر الشجعان الكرام          

         (الضارعينَ) لأقـدارٍ تحلُّ  بهـم                 كما تلوّى ببطنِ الحوتِ ذو النونِ

         و(الخائفينَ) اجتداعَ الفقرِ مالَهُمُ                  و(المُفضلينَ) عليهِ جدْعَ  عِرنينِ

         و(اللائذينَ) بدعوى الصبرِ مجبنةً               (مُستعصمينَ) بحبلٍ منهُ مرهونِ

         و(الساترينَ) بشتمي عُريَ سوأتِهم               كخصفِ حوّاءَ دوحَ التوتِ والتينِ

         و(العائشـينَ) على الأهواءِ مُنزلةً                على بيانٍ  بلا هدْيٍ  وتبـيـيـنِ

         و(المـيِّتـينَ) وقد هيضَتْ ضمائرُهم              بواخزٍ معهم في القبرِ مدفونِ (78)

ومن أنماط التكرار اللفظيّ : تكرار صيغة اسم الفاعل لجماعة الإناث تكراراً أفقيّاً وعموديّاً ، يقول الجواهريّ في قصيدته (شاغور حمّانا) التي نظمها عام 1938 وكان الشاعر يصطاف في ربوع لبنان ، واصفاً جمال المكان :

           و(الخافقاتِ) ظلالُها عن سجسجٍ                 يشفي الغليـلَ ويُثلـجُ الظمآنـا

           و(الغامراتِ) عـيونُـها  وديانَـها                  وجبالَـها  وبقيـعَـها الفـينانـا

           و(الغارقاتِ) مروجُها في سُندسٍ                خضرٍ تفوحُ من الشذا أردانا

           (الخالداتُ) خلودَ شمسِكِ طلقةً                   و(السامياتُ) سموَّ هضبِكِ شانا

           و(الباعثاتُ) من العواطفِ خيرَها               إيـناسـةً  وأرقَّـها  أحـزانا (79)

ويقول في قصيدته (يا بنت رسطاليس) التي نظمها بمناسبة افتتاح بناية الثانويّة الجعفريّة الأهليّة في الحي عام 1947 :

          قمْ حيِّ هذي المنشآتِ معاهدا                     (الناهضاتِ) مع النجومِ خوالدا

         (الشامخاتِ) أنوفَهنَّ إلى السما                     و(المطلعاتِ) لفرقديـنِ فراقـدا

         و(الفاتحاتِ) على الخلودِ نوافذاً                    و(المُجرياتِ) مع الحياةِ روافدا (80)

ويلاحظ هنا حرص الشاعر على توازن هذا التكرار، فقد استعمل نغمةً واحدةً لكلّ شطر من الأبيات السابقة ، وكان المتنبّيّ قد قال في قصيدته التي مدح بها عليّ بن منصور الحاجب :

        بأبي الشموسُ (الجانحاتُ) غواربا                 (اللابساتُ) من الحريرِ جلاببا

        (المُنهـباتُ)  عـقولــَنا  وقـلوبـَنا                     وجناتِهنَّ (الناهباتِ) الناهـبا

        (الناعماتُ)  (القاتلاتُ)  (المُحييا                   تُ) المُبدياتُ من الدلالِ غرائبا(81)

ومن أنماط تكرار بعض الأبنية الصرفيّة : تكرار الجواهريّ في قصيدته (المُحرِّقة) بنية الفعل الماضي  المسند إلى ضمير المتكلّم تكراراً عموديّاً وأفقيّاً  ، تماماُ كما فعل معلّمه المتنبّيّ في قصيدة (أفيقا خمار الهمّ) ، فأبيات القصيدتين تتداخل وتتلامس وتتقارب لتوّحد الجوّ النفسيّ جوّ التباهي بالنفس في مواجهة النكبات حتّى ليخيّل للقارىء أنّ القطعتين من قصيدة واحدة  لاسيّما أنّ القصيدتين تجريان على وزن وقافية ورويّ موحّد ، قال المتنبّيّ وهو يستعرض محطّات حياته ، وخيبات الأمل التي أبت إلا أن ترافقه أينما حلّ ، لكنّه ظلّ متماسكاً أبيّاً ، يتمنّى ملوك الأرض مِدحةً من شعره :

       (لبسْتُ) صروفَ الدهرِ أخشنَ ملبسٍ               فعرَّقـني ناباً ومـزّقـني ظُـفـرا

       (سدكتُ) بصرفِ الدهرِ طفلاً ويافعاً               (فأفنيْتُه) عزماً ولم يفنني صبرا

       (صحبْتُ) ملوكَ الأرضِ مغتبطاً بهم               و(فارقْتُهم) ملآنَ من حنقٍ صدرا

       (وفارقْتُ) خيرَ الناسِ قاصدا شرِّهم                وأكرَمَهـم طُـرّاً لألأمِهـم طُـرّاً

       (جسرْتُ) على دهياءِ مصرَ (ففُتُّها)                ولم يكنِ الدّهياءَ إلا من ِاسْتجرا (82)

  ويقول الجواهريّ في (محرّقته) مفتخراً بنفسه في مواجهة الخطوب والمحن :

       (خبرْتُ) بها ما لو تخلّدْتُ بعدهُ                  لما(ازددتُ) علماً بالحياةِ  ولا خُبرا

       (لبسْتُ) لباسَ الثعلبيّينَ مكرهاً                   و(غطّيْـتُ) نفساً إنّما خُلِقَـتْ نسرا

       و(عُدْتُ) مليءَ الصدرِ حقداً وقُرحةً             وعادتْ يدي من كلِّ ما (أمّلتُ) صفرا

       (حلبْتُ) كلا شطريْ زماني تمعّّناً                فلم أحمدِ الشطرَ الذي فضلَ الشطرا

       (شربْتُ) على الحالينِ بؤسٍ ونعمةٍ               و(كابدْتُ) في الحالينِ ما نغّصَ الشُكرا

       (رأيْتُ) منَ الإنسان يُطغيهِ عجبُهُ                من الخزي ما تأباهُ وحشيّةٌ  تضرى

       (ذممْتُ) مقامي في العراق وعلّني               متى أعتزمْ مسرايَ أنْ أحمدَ المسرى(83)

      ومن أنماط التكرار تكرار الجواهريّ صيغة التعجّب القياسيّة (ما أفعله) على هدي معلّمه المتنبّيّ ، يقول الجواهريّ في قصيدته (تونس) :

      فيا لكِ بُشرى (ما أرقَّ) و(ما أصفى)          أغاثَتْ نفوساً (ما أحنَّ) و(ما أصبَى)(84)

وكان المتنبّيّ قد قال من قصيدة مدح بها سيف الدولة :

      فيا شوقُ (ما أبقى) ويا لي من النوى        ويا دمعُ (ما أجرى) ويا قلبُ (ما أصبَى)(85)

فكلا الشاعرين اعتمدا على صيغة الاستغاثة (فيا لكِ) عند الجواهريّ ، و(يا لي) عند المتنبّيّ ، متبوعةً بتكرار لصيغة التعجّب ، وهي : (ما أبقى) ، (ما أجرى) و(ما أصبى) عند المتنبّيّ ، والأصل : فيا شوقُ ما أبقاكَ ، ويا دمعُ ما أجراكَ ، ويا قلبُ ما أصباكَ ، أمّا عند الجواهريّ فإنَّ صيغة التعجّب هي : (ما أرقّ) ، (ما أصفى) ، (ما أحنّ) و(ما أصبى) ، والأصل : يا بشرى ما أرقّكِ وما أصفاكِ ... وأغاثت نفوساً ما أحنّها وما أصباها .

    ومن أنماط التكرار اللفظيّ : تكرار الجواهريّ لصيغة اسم التفضيل ، وهي ظاهرة عُرف بها المتنبّيّ وأكثر منها (86) ،لما في هذه الصيغة من دلالة القطع والحسم بما يتناسب مع طموح الشاعرين في التطلّع إلى تحقيق المجد والشهرة ، وما عُرف عنهما من دلائل العظمة والكبرياء والتفوّق على الأقران ، يقول الجواهريّ في قصيدته (ليت الذي بك) التي رثى بها الشيخ طاهر فرج الله ، وكان من أوائل المجاهدين في الشعيبة على رأس قبيلته (الحلاف) :

        ماذا يقـولُ لسانُ الشعـرِ في رجـلٍ         (خيرُ) البنين بنوهُ وهو(خيرُ) أبِ(87)

وكان المتنبّيّ قد قال في رثاء (خولة) أخت سيف الدولة الكبرى :

        يا أختَ (خيرِ) أخٍ يا بنتَ (خيرِ) أبٍ         كنايةً بهما عن أشرفِ النسبِ(88)

أو يلجأ إلى المجانسة في (اسم التفضيل) إمعاناً في البحث عن إضافة نغمة جديدة إلى نغمات معلّمه ، فيتقمّص الجواهريّ في قصيدته (الأنانيّة) التي نُظمت عام 1932 : " شخصيّة الحاكم وكأنّه القامع والمقموع :

 

          لجأْتُ إلى الدستورِ في كلِّ شدّةٍ            أرى فيه لي ناباً جديداً  ومخْـلَبــا

          وجرّدتُـهُ سيفاً (أمضَّ) وقـيعـةً            من السيف هنديّاً و(أمضى) مضاربا"(89)

وكان المتنبّيّ قد قال معاتباً سيف الدولة الحمدانيّ :

        ألا ما لسيفِ الدولةِ اليومَ عاتبا               فداهُ الورى (أمضى) السيوفِ مضاربا(90)

وقد يرافق هذا الميل إلى تكرار اسم التفضيل النسج على أسلوب المتنبّيّ في إيقاع جمله الشعريّة ، فإذا قال المتنبّيّ في مطلع إحدى كافوريّاته :

    (أغالبُ) فيك (الشوقَ والشوقُ)(أغلبُ)     و(أعجبُ) من ذا الهجرِ والوصلُ(أعجبُ)(91)

قال الجواهريّ في مطلع قصيدته (المستنصريّة) التي ألقاها الشاعر في الحفل الذي أُقيم عام 1960 لافتتاح (المستنصريّة) بعد ترميم بنايتها ، فأصبحت متحفاًُ ومزاراً ، مخاطباً الرئيس عبد الكريم قاسم :

      أعدْ (مجدَ بغدادٍ ومجدُكَ) (أغلبُ)            وجدّدْ  لها (عهداً وعهدُكَ) (أطيبُ) (92)

فأنت ترى أنّ الشاعرين لم يكتفيا بتكرار صيغة اسم التفضيل في نهاية كلّ مصراع : (أغلب ، أعجب) عند المتنبّيّ ، و(أغلب ، أطيب) عند الجواهريّ ، بل ترافق هذا التكرار مع تكرار آخر هو : (أغالب ، أغلب) ، (الشوق والشوق) ، و(أعجب ـ الفعل ـ ، أعجب ـ اسم التفضيل ـ ) في بيت المتنبّيّ ، و(مجد ..ومجدك) ، و(عهد وعهدك) في بيت الجواهريّ ، وليس غريباً أن يترافق هذا التكرار مع تكرار في بنية التركيب الشعريّ الذي اعنمد على جملة اسميّة وقعت حالاً بعد واو الحال في نهاية كلّ مصراع وهي : (والشوق أغلب) ، (والوصل أعجب) في مطلع المتنبّيّ ، و (ومجدك أغلب) ، (وعهدك أطيب) في مطلع الجواهريّ .

 التقسيم:

استعمل الجواهريّ بعض تقسيمات المتنبّيّ ليمنح بعض قصائده بعداً إيقاعيّاً مؤثِّراً ، من ذلك قوله في قصيدته التي أبّن فيها (عبد الحميد كرامي) :

           والمجدُ إشعاعُ الضميرِ لضوئِهِ           (تهفو القلوبُ)(وتشخصُ الأبصارُ)

           والمجدُ جبّـارٌ على أعـقابِـهِ               (تهوي الرؤوسُ)  (ويسقطُ الجبّارُ)

           فنفضْتَ كفَّكَ من حُطامٍ عندهُ             (يخزى البنونَ)  (وتخجلُ الأسفارُ) (93)

ومثل هذا التقسيم للمتنبّيّ في قصيدته التي مدح بها سيف الدولة الحمدانيّ :

          وبدونِ ما أنا من ودادِكَ مُضمِرٌ          (يُنْضَى المطيُّ) (ويقربُ المُستارُ)(94)

فقُسِّمتْ الأعجاز على قسمين توزّعتها تفعيلات البحر الكامل الثلاث ، ولكنّ الجواهريّ نقل النغمة من المدح إلى الرثاء . وقال في مطلع قصيدته (إلى الشعب المصريّ) التي نظمها بمناسبة الحفل الذي أقامه د . طه حسين لوفود الدول العربيّة المشاركة في المؤتمر الثقافيّ الذي كانت تقيمه جامعة الدول العربيّة :

          يا مصرُ تستبقُ الدهورُ وتعثُرُ             (والنيلُ يزخرُ) (والمسلَّةُ تُزهرُ) (95)

وفي هذه القصيدة: " ينحاز الشاعر كعادته إلى عالم الصراع والمواجهة :

            وتقحَّمي الغمراتِ صدرُكِ محتمٍ          (ومداكِ مُتَّسِعٌ) (ووجهُكِ مُسفرُ)

            يا مصرُ والدنيا يعنُّ مخاضُها            (والأمرُ يُفجأُ)  (والفجاءةُ تغدرُ)

            يا مصرُ لاءمَتِ البسيطةُ شملَها          (فالكونُ أصغرُ)(والمسافةُ أقصرُ)

            "طه" ونورُ الفكرِ أوفى حرمةً           (والمجدُ أوفرُ)  (والمكانةُ أوقرُ) "(96)

 وكان المتنبّيّ قد قال في صباه يمدح أبا المنتصر شجاع بن محمّد بن أوس الأزديّ :

           (والمرءُ يأملُ) (والحياةُ شهيَّةٌ)            (والشيبُ أوقرُ) (والشبيبةُ أنزقُ)(97)

 فقسّم الشاعران : المتنبّيّ مصراعي بيته ، والجواهريّ أعجاز أبياته على قسمين توزّعتها تفعيلات البحر الكامل الثلاث .

   ويستعمل الجواهريّ نغمةً أخرى من تقسيمات المتنبّيّ ، فيقول في قصيدته (إلى السعدون) :

            ولسوف تركعُ نخـوةٌ ورويّـةٌ              (وشهامةٌ) (وصراحةٌ) (وتمنُّعُ) (98)

                                                         (متفاعلن) (متفاعلن) (متفاغلن)

 وكان المتنبّيّ قد قال في مدح شجاع بن محمّد الطائيّ المنبجيّ :

          (وهواجلٌ)(وصواهلٌ)(ومناهلٌ)           (وذوابلٌ)  (وتوعّدٌ)  (وتهدُّدُ)  (99)

          (متفاعلن) (متفاعلن) (متفاعلن)           (متفاعلن) (متفاعلن)(متفاغلن)

فقسّم الجواهريّ عجز بيته ،والمتنبّيّ مصراعي بيته على ثلاثة أقسام ، استقلّت كلّ تفعيلة من تفعيلات البحر الكامل بقسم من هذه الأقسام .

   واستعمل الجواهريّ نغماً آخر من تقسيمات المتنبّيّ ، فيقول في قصيدته (إلى الباجه جي في نكبته) التي مدح بها مزاحم الباجه جي بمناسبة عودته إلى ميدان السياسة :

        (ومُرتقِـبٍ للشرَّ)  (والشرُّ غائـبُ)        (ومُستحقِرٍ للشرِّ)  (والشرُّ قادمُ) (100)

   وكان المتنبّيّ قد قال في معركة (ثغر الحدث) واصفاً شجاعة سيف الدولة الحمدانيّ :

      (بضربٍ أتى الهاما)(تِ والنصرُ غائبٌ)   (وصارَ إلى اللبّا)(تِ والنصرُ قادمُ)(101)

      ( فعولن  مفاعيلن )  ( فعولن  مفاعلن )   (فعول  مفاعيلن)( فعولن  مفاعلن)

فقسّم الشاعران كلّ مصراع على قسمين توزّعتها تفعيلات البحر الطويل الأربع ، فضلاً عن تماثل البنية النحويّة التي اعتمدت على جملة اسميّة بعد واو الحال في نهاية كلّ شطرفي بيتي الشاعرين ، وهي : (والشر غائب) (والشر قادم) في بيت الجواهريّ ، و(والنصر غائب) (والنصر قادم) في بيت المتنبّيّ .   

    وقال الجواهريّ مستعملاً نغماً آخر من تقسيمات المتنبّيّ  في قصيدته (إلى الشباب السوريّ) التي نظمها عام 1938 بمناسبة الحفل التكريميّ الذي أقامه شباب دمشق للشاعر خلال زيارته سوريا ولبنان وكانت الانتفاضة السوريّة على الاستعمار الفرنسيّ على أشدّها :

         دمشقُ يا أمُّ إنَّ الرأيَ محتفلٌ            (والعزمَ محتشدٌ) (والوقتَ متَّسِعُ) (102)

                                                   (مستفعلن فعلن) (مستفعلن فعلن)

وكان المتنبّيّ قد قال في مدح سيف الدولة الحمدانيّ :

        (الدهرُ معتذرٌ ) (والسيفُ منتظرُ)         وأرضُهم لكَ مصطافٌ ومُرتَبَعُ (103)

        (مستفغلن فعلن) (مستفغلن فغلن)

فقسّم الشاعران : المتنبّيّ صدر بيته ، والجواهريّ عجز بيته على قسمين توزّعتها تفعيلات البحر البسيط الأربع .

التضادّ:

    استعمل الجواهريّ بعض مطابقات المتنبّيّ في قصائد متّفقة الوزن والقافية والرويّ ، فزاد في تنغيم أبياته ، من ذلك قول المتنبّيّ في قصيدته الشهيرة (وا حرّ قلباه) معرّضاً بسيف الدولة الحمدانيّ :

         وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظرِهِ           إذا اسْتوَتْ عندَهُ (الأنوارُ) و(الظُلَمُ)(104)

فإذا بالجواهريّ ينقلها إلى الحديث عمّا حلّ بالأمّتين العربيّة والإسلامية عقب هزيمة حرب حزيران 1967 ، يقول الجواهريّ في قصيدته (الخطوب الخلاقة) :

        تعسّرَ الصبحُ واسْتعصَتْ ولادتُهُ          حتّى تشابكَتِ (الأنوارُ) و(الظُلَمُ)(105)

وكان المتنبّيّ قد قال في قصيدته السالفة معاتباً سيف الدولة:

         بأيِّ لفظٍ تقولُ الشعرَ زِعْنفةٌ             تجوزُ عندَكَ لا (عُربٌ) ولا(عجمُ)(106)

  فإذا بالجواهريّ يخاطب الشعب العربيّ من خلال قياداته بهذا النداء :

        وذدْ عن الحقِّ إنَّ الحقَّ منطقُهُ           حِمَىً يفيءُ إليه (العُربُ) و(العجمُ)(107)

ومن هذه المطابقات التي وافق فيها التلميذ معلّمه قول المتنبّيّ يمدح المغيث بن عليّ بن بشر العجليّ :

         هزَّ اللواءَ بنو عجلٍ بهِ فغدا              (رأساً) لهمْ وغدا كلٌّ لهمْ (ذنبا) (108)

فاستعمل الجواهريّ هذا الطباق في قصيدته الخالدة (أبو العلاء المعرّيّ) : " لكنَّه غيّر علاقات الكلمات ، وإن استخدم هذا الطباق نفسه (الرأس والذنب) فقال في معنى جديد :

         يستنزلُ الفكرَ من عليا منازلِهِ          (رأسٌ) ليمسحَ من ذي نعمةٍ (ذنبا) "(109)

وقد يترافق التكرار اللفظيّ مع استعمال الطباق عند الشاعرين ، ممّا يولّد نغماً إضافيّاً ، وكان المتنبّيّ قد قال مفتخراً بشعره في إحدى كافورياته :

       (فشرّقَ) حتّى ليس (للشرقِ مشرقٌ)      (وغرّبَ) حتّى ليس (للغربِ مغربُ)(110)

فإذا بالجواهريّ يحوّل هذه النغمة إلى افتخار بماضي العرب والمسلمين ، وحضارتهم العتيدة ، أيّام كانت بغداد عاصمة الدنيا ، يقول الجواهريّ في قصيدته (المستنصريّة) :

       وفي أمسِ كان (الشرقُ) للنورِ مطلعاً       فحوّلَهُ عنهُ إلى (الغربِ مغربُ)(111)

فقد كرّر الشاعران (الغرب مغرب) وإن كان المعلّم قد فاق تلميذه في هذا التكرار ، فزاد (الشرق مشرق) فبنى شطري البيت على المقابلة ، ممّا منح بيته نغماً إضافيّاً .

     ومن أنماط التضادّ المقابلة، قال المتنبّيّ في قصيدته الخالدة (على قدر أهل العزم) يمدح سيف الدولة ، ويذكر بلاءه وشجاعته في معركة (قلعة الحدث) :

       وقد حاكمـوها والمـنايـا حواكـمُ          فما (ماتَ مظلومٌ) ولا(عاشَ ظالمُ)(112)

 فإذا بالجواهريّ يستعمل هذه النغمة في قصيدة (إلى الباجه جي) :

        ومحتمـلٍ للحقِّ مستأنسٍ بـهِ            (يُرجّيهِ مظلومٌ)  (ويخشاهُ ظالمُ)(113

وأعاد الجواهريّ هذه النغمة في قصيدته (الإقطاع) ،حين أراد إثارة عواطف الأمّة ضدّ النظام الإقطاعيّ البائد : " وذلك بالرجوع إلى الملكيّة العامّة والتقسيم العادل ، فيلغي التفاوت الطبقيّ ، وينفي معه الاستبداد :

         ولم يبغِ منها أنْ يكونَ نتاجُها            (شقاوةَ مظلومٍ)  (ونعمةَ ظالمِ)"(114)

التضمين :

   ضمّن الجواهريّ بعض قصائده أبياتاً أو أشطاراً للمتنبّيّ ، ليزيد بذلك من تصاعد النغم الشعريّ ، وتمثّل التراث الشعريّ الذي خلّفه معلّمه ، وكأنّ به حاجة إلى الاغتراف من هذا النبع الموسيقيّ الصاخب ، فلم يكتفِ باستلهام موسيقى المتنبّيّ والوقوع في تأثيرها الأخّاذ بل مال أحياناً إلى التضمين ليزيد بذلك من قرع هذه الموسيقى التي ملكت فؤاده ، وامتلأت بها نفسه فلا يجد منها فكاكاً ، ومن هنا فإنّ : " الاقتباسات في شعر الجواهريّ تدلّ على أنّه تمثّل التراث الأدبيّ القديم وهضمه حتّى أنّه أصبح بعضاً منه ، لأنّ هذه الاستخدامات في معظمها جاءت متمكّنة في أبياته " (115) ،   ومن أمثلة تضمينه بيتاً ، قوله في قصيدته (في الأربعين) التي نظمها في تأبين السعدون ، مذكّراً بضرورة الحرص على مصالح البلاد التي راح السعدون ضحيّةً لها :

         إنْ تنصروها فإنّ الشعبَ منتصرٌ           أو تخذلوها فإنَّ الشعبَ منتقمُ

         أو تُحتقرْ " وسيوفُ الهندِ مغمدةٌ            فقد نظرتُمْ إليها والسيوفُ دمُ"(116)

أمّا بيت المتنبّيّ فهو من قصيدته الشهيرة في موقعة (قلعة الحدث) التي انتصر فيها سيف الدولة الحمدانيّ على الروم :

           قد زرْتُهً وسيوفُ الهندِ مغمدةٌ             وقد نظرْتُ إليه والسيوفُ دمُ (117)

      ويقول الجواهريّ في قصيدته (اللاجئة في العيد) التي نظمها عام 1952 واصفاً بؤس الفقراء ليلة العيد ، فنقل المعنى إلى الثورة على الفقر:

            يا ليلةَ العيدِ إنَّ الجوعَ مُنتظِرٌ         فرائساً حُرَّةً ، والعارَ مُنتظِري   

           " الآنَ أقحمُ حتّى لاتَ مقتَحَمِ         فقد تصبَّرتُ حتّى لاتَ مصطبرِ "(118)

ولكنّ الجواهريّ جعل صدر بيت المتنبّيّ عجزاً وعجزه صدراً ، إذ قال المتنبّيّ في صباه متظاهراً بالخروج على السلطان (119) :

            لقد تصبَّرْتُ حتّى لاتَ مصطبرِ         فالآنَ أقحمُ حتّى لاتَ مقتَحَمِ (120)

     وضمّن الجواهريّ في قصيدته (أيُّها الفارس) التي كتبها في سجلّ التعزية الذي فُتح في دار السفارة المصريّة في براغ ، غداة وفاة الرئيس جمال عبد الناصر ، بيتين من مقدّمة قصيدة المتنبّيّ التي مدح بها سيف الدولة :

             أنشدَ الناسُ إذْ رأوْكَ على الأعـْــــــــــــــــــــــناقِ تختالُ هيبةً وجلالا              

             "ذي المعالي فَلْيَعْلُوَنْ منْ تعالى                     هكذا هكذا وإلا فلا لا

             شرفٌ ينطحُ النجومَ بِرَوْقَيـْــــــــــــــــــــــــــــهِ وعزٌّ يقـلقـلُ الأجبالا"  (121)

       وضمّن الجواهريّ في قصيدته (المُحَرِّقة) صدر مطلع قصيدة للمتنبّيّ لتتعانق آهاته وأنّاته بآهات وأنّات معلّمه ، يقول الجواهريّ :

              كشأنِ زيادٍ حينَ أُحرِجَ صدرُهُ           وضُويِقَ حتّى قالَ خطبتَهُ البترا

              أوِ المتنبّيّ حين  قال  تذمّراً          " أفيقا خُمارَ الهمِّ بغَّضني الخمرا "(122)

وكان المتنبّيّ قد قال في مطلع قصيدة سبقت الإشارة إليها:

          أفيقا خُمارَ الهمِّ بغَّضني الخمرا        وسُكري من الأيّامِ جنَّبني السُكرا(123)

وضمَّن الجواهريّ عجز مطلع للمتنبّيّ في قصيدته (ربأتُ بنفسي) التي نظمها عام 1936 مُفتخراً بنفسه ، ويشكو فيها دهره ، لكنّها شكوى القويّ لا الضعيف، فقال :

          حباني العراقُ السمحُ أحسنَ ما حبا          بِهِ  شاعراً  للحقِّ  والعدلِ داعيا

          وجاءَ كما اسْتمطرْتُ في الصيفِ مزنةً     وعيشاً كما أسأرْتُ في الكأسِ باقيا

          وعيشاً إذا استعرضتهُ قلتُ عنده :       " كفى بكَ داءً أنْ ترى الموتَ شافيا "(124)

وكان المتنبّيّ قد قال في أوّل لقائه كافور الإخشيديّ:

         كفى بكَ داءً أنْ ترى الموتَ شافيا         وحسبُ المنايا أنْ يكنَّ أمانيا (125)

      وضمّن الجواهريّ عجز بيت للمتنبّيّ إذ قال في قصيدته (ناغيتُ لبناناً) التي ألقاها في الحفل الرسميّ الذي أقامته أمانة العاصمة في بهو الأمانة لبشارة الخوري وكان رئيساً للجمهوريّة ، مخاطباً عبد الإله  :

           قدْتَ السفينةَ حينَ شقَّ مقادُها             وتطلّبَــتْ  رُبّانَــها المســؤولا

           أعطتْكَ دفّتَها فلم ترجِعْ بها              خوفَ الرياحِ ولا انْدفعْتَ عجولا

           ومنحتُها والعاصفاتُ تؤودُها           " متـناً  أزلَّ  وساعداً مفـتولا "(126)

وكان المتنبّيّ قد قال في مدح بدر بن عمّار واصفاً مبارزته للأسد:

           أسدٌ يرى عُضوَيهِ فيكَ كليهما            متناً  أزلَّ  وساعداً مفتولا(127)

                                   الهوامش

(1) الجواهريّ شاعر العربيّة ، 1/49 . (2) الشعر العراقيّ الحديث مرحلة وتطور، 105 . (3) الجواهريّ صنّاجة الشعر العربيّ في القرن العشرين ، 212.  (4) الجواهريّ شاعر العربيّة ، 1/30 . (5) الكلمة , (الجواهريّ يكشف وثائقه كاملةً) ، 56 . (6) ذكرياتي ، 1/196 . (7) ديوان الجواهريّ ، 2/281 . (8)تطوّر الشعر العربيّ الحديث في العراق ، 269 . (9) الجواهريّ شاعر العربيّة ، 1/36 . (10) الكلمة ، (الجواهريّ يكشف وثائقه كاملةً) ، 52 . (11) أزمة المواطنة في شعر الجواهريّ ، 230 . (12) جواهريّ العراق ..عراق الجواهريّ ، 137 . (13) ديوان الجواهريّ ، 5/ 353 و5/357 . (14) ديوان الجواهريّ ، 7/101 . (15) المجلّة الثقافيّة ، (ندوة الشعر العراقيّ في المنفى) ، د . عبد الله الفيفيّ ، الشبكة الدوليّة للمعلومات (الإنترنت) . .(16) الآداب ، (الشعر الكلاسيكيّ) ، 10 . (17) تطور الشعر العربيّ الحديث في العراق ، 301 . (18) ينظر: المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها ، 1/44 وما بعدها . (19) تطور الشعر العربيّ الحديث في العراق، 303 . (20) ديوان الجواهريّ ، 3/63. (21) العرف الطيّب ، 334 . (22) تطور الشعر العربيّ الحديث في العراق ، 304 ـ305  . وبيت الجواهري في ديوانه ،3/395.  (23) العرف الطيّب ، 105 . (24) تطور الشعر العربيّ الحديث في العراق، 305. والبيت في ديوان الجواهريّ ، 3/397 . (25) و (26) و (27) و (28) ، 106 و 107 و 108 و 109 .(29) ديوان الجواهريّ ، 5/35. (30) و(31) العرف الطيّب ، 502 و 505 (32) و (33) و(34) و (35) و (36) و (37) و (38) و (39) ديوان الجواهريّ ، 5/35 و 5/36 و 5/37 و 5/38 و 5/39 . (40) ديوان الجواهريّ ، 1/518 . (41) العرف الطيّب في شرح ديوان أبي الطيّب ، 343 . (42) ديوان الجواهريّ ،1/511 . (43) العرف الطيّب ، 361 . (44) ديوان الجواهريّ ، 2/242 . (45) العرف الطيّب ، 548 . (46) ديوان الجواهريّ ، 2/244 . (47) العرف الطيّب ، 548 . (48) ديوان الجواهريّ ، 1/511 . (49) العرف الطيّب ، 361 . (50) البنية الموسيقيّة لشعر المتنبّيّ ، 7 . (51) ديوان الجواهريّ ، 6/161 . (52) العرف الطيّب ، 396 . (53) ديوان الجواهريّ ، 2/85 . (54) العرف الطيّب ، 646 . (55) ديوان الجواهريّ ، 3/83 . (56) تطوّر الشعر العربيّ الحديث في العراق ،287 . وبيت المتنبّيّ في العرف ، 92 . (57) ديوان الجواهريّ ، 3/395 . (58) العرف الطيّب ، 105 . (59) ديوان الجواهريّ ، 4/39 . (60) العرف الطيّب ، 284 . (61) م . ن ، 339 . (62) ديوان الجواهريّ ، 3/65 . (63) العرف الطيّب ، 337 . (64) ديوان الجواهريّ ، 3/67 . (65) م . ن ، 3/399 . (66) العرف الطيّب ، 106 . (67)ديوان الجواهريّ ، 3/399 . (68) العرف الطيّب ، 108 . (69) ديوان الجواهريّ ، 3/310 . (70) العرف الطيّب ، 197 . (71) ديوان الجواهريّ ، 3/145 . (72) م . ن ، 3/397 . (73) أزمة المواطنة في شعر الجواهريّ ، 221 . والأبيات في ديوان الجواهريّ ، 3/399 .(74) تنظر: مجلّة الموقف الأدبيّ (الخطاب التهكّميّ في شعر الجواهريّ) ، د. قيس كاظم الجنابيّ ، الشبكة الدوليّة للمعلومات (الإنترنت) .(75) العرف الطيّب ، 191 . (76) م  . ن ، 94 . (77) ديوان الجواهريّ ، 1/297 . (78) م . ن ، 5/88 و5/94 (79) م . ن ، 2/346 . (80) م . ن ، 3/195 . (81) العرف الطيّب ، 105 . (82) م . ن ، 646 و649 . (83) ديوان الجواهريّ ، 2/85 و2/88 . (84) م .ن ،3/68 . (85) العرف الطيّب ، 335. (86) المتنبّيّ مالىء الدنيا وشاغل الناس ، (صيغة التفضيل في شعر المتنبّيّ) ، 139 . (87) ديوان الجواهريّ ،  1/309 . (88) العرف الطيّب ، 461 . (89) أزمة المواطنة في شعر المتنبّيّ ، 157 . والبيتان في ديوان الجواهريّ ، 2/132 . (90) العرف الطيّب ، 348 . (91) م . ن ، 502 . (92) ديوان الجواهريّ ، 5/35 . (93) م . ن ، 4/39 و4/40 . (94) العرف الطيّب ، 285 . (95) ديوان الجواهريّ ، 4/25 . (96) أزمة المواطنة في شعر المتنبّيّ ، 223 . والأبيات في ديوان الجواهريّ ، 4/27 و4/28 و4/34 . (97) العرف الطيّب ، 23 . (98) ديوان الجواهريّ ، 1/497 . (99) العرف الطيّب ، 42 . (100) ديوان الجواهريّ ، 2/199 . (101) العرف الطيّب ، 405 . (102) ديوان الجواهريّ ، 2/338 . (103) العرف الطيّب ، 324 . (104) م . ن ، 342 . (105) ديوان الجواهريّ ، 5/253 . (106) العرف الطيّب ، 345 . (107) ديوان الجواهريّ ، 5/258 . (108) العرف الطيّب ، 94 . (109) ديوان الجواهريّ ، 3/83 . (110) العرف الطيّب ، 508 . (111) ديوان الجواهريّ ، 5/35 . (112) العرف الطيّب ، 403 . (113) ديوان الجواهريّ ، 2/202 . (114) أزمة المواطنة في شعر الجواهريّ ، 186 . والبيت في الديوان ، 2/357 . (115) م . ن ، 346 . (116) ديوان الجواهريّ ، 1/517 . (117) العرف الطيّب ، 341 . (118) ديوان الجواهريّ ، 4/121 . (119) تنظر : يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر ، 1/128و 1/129 . (120) العرف الطيّب ، 31 . (121) ديوان الجواهريّ ، 6/35 . وبيتا المتنبّيّ في العرف الطيّب ، 432 . (122) ديوان الجواهريّ ، 2/87. (123) العرف الطيّب ، 646 . (124) ديوان الجواهريّ ، 2/307 . (125) العرف الطيّب ، 471 . (126) ديوان الجواهريّ ، 3/246 . (127) العرف الطيّب ، 148 .

                              مصادر ومراجع الدراسة

1-    الآداب ، (الشعر الكلاسيكيّ) ، د . شكري عيّاد ، العدد 3 ، 1966 . 

2-    أزمة المواطنة في شعر الجواهريّ، فرحان اليحيى ، من منشورات اتّحاد الكتّاب العرب ، دمشق 1421 هـ  ــ 2000 م .

3-    البنية الموسيقيّة لشعر المتنبّيّ (رسالة ماجستير على الآلة الكاتبة) ، محمّد حسين محمّد كاظم الطريحيّ ، بغداد1411هـ ـ 1990م .

4-    ت . س . اليوت الشاعر والناقد ، ف . أ . ماثيسن ، ترجمة د . إحسان عبّاس ، بيروت 1965.

5-    تطوّر الشعر العربيّ الحديث في العراق ، د . علي عبّاس علوان ، دار الشؤون الثقافيّة العامّة ، وزارة الثقافة والإعلام العراقيّة ، بغداد بلا تأريخ .

6-    الجواهريّ شاعر العربيّة ، د . عبد الكريم الدجيليّ ، مطبعة الآداب ، النجف الأشرف 1972 .

7-    الجواهريّ صنّاجة الشعر العربيّ في القرن العشرين ، د. زاهد محمّد زهدي ، دار القلم بيروت1420هـ 1999م .

8-    جواهريّ العراق ...عراق الجواهريّ ، د . محمّد جواد رضا ، دار الكنوز الأدبيّة ، بيروت بلا تأريخ

9-  ديوان الجواهريّ ، الجواهريّ ، جمعه وحقّقه وأشرف على طبعه د . إبراهيم السامرّائيّ ، و د. عليّ جواد الطاهر ، و د . مهديّ المخزوميّ ، ورشيد بكتاش . مطبعة الأديب البغداديّة ، طُبع الجزءان الأوّل والثاني عام 1973 ، وطُبع الجزءان الثالث والرابع عام 1974 ، وطُبع الجزء الخامس عام 1975 ، وطُبع الجزء السادس عام 1977 ، وطُبع الجزء السابع عام 1980 .

10ـ ذكرياتي ، الجواهريّ ، دار الرافدين ، دمشق 1988 .

     11- الشعر العراقيّ الحديث مرحلة وتطوّر ، د. جلال الخيّاط ، بيروت 1970 . 

12- الكلمة ، (الجواهريّ يكشف وثائقه كاملةً) ، د . عليّ جواد الطاهر ، العدد الثاني ، آذار 1972 ،   

       السنة الرابعة .

13- العَرف الطيّب في شرح ديوان أبي الطيّب ، ناصيف اليازدجيّ ، دار القلم ، بيروت 1887 .

14- المتنبّيّ مالىء الدنيا وشاغل الناس ، (مجموعة بحوث ودراسات على هامش مهرجان أبي الطيّب

        المتنبّيّ المنعقد سنة 1977 )، بغداد 1979 .

15- المجلّة الثقافيّة ، (ندوة الشعر العراقيّ في المنفى) ، د . عبد الله الفيفيّ ، المجلّد الثاني 1424هـ ،

       العدد17 ، الشبكة الدوليّة للمعلومات (الإنترنت) . 

16- المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها ، عبد الله الطيّب المجذوب ، القاهرة 1955 .

17- الموقف الأدبيّ ، (الخطاب التهكّميّ في شعر الجواهريّ) ، د. قيس كاظم الجنابيّ ، العدد399تمّوز

      2004، الشبكة الدوليّة للمعلومات (الإنترنت) .      

18- يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر ، أبو منصور الثعالبيّ ، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد ،

       ط 2 ، مطبعة السعادة ، القاهرة 1377 هـ . 

              

 

                                     ABSTRACT                                

 

 

    The present  paper  deals  with the  facets  of  the  rhythmic structure  of  the  poetry  of Al-Jawahiri  in  which  he  followed  those  found  in  Al-Mutanabbiُs  poetry . They  are  the  external  and  in  ternal  musical  structures  of  their  poetry  . The  first  facet  is  related  to  metre  and  rhyme  and  it  deals  with  the  number  of  shared  rhymes  in  some  poems  compared  on  the  basis  of  their  use  of  the  same  metre  and  rhyme scheme .It  also  discusses  how  both  of  the  poets  use  some  words  that  are  related  to  the  rhyming  words  in  their  poems .

  The  second  facet  concerns  the  two  poets  use  of  repeated  letters  that  occur  in  the  opening  lines  of  poems  of  similar  metres  and  rhymes  .It  discusses  some  types  of  reiteration  such  as  repeating  word  as  the  rhyming  word , homophony , grammatical  and  morphological  repetition , quotation  allusion , phonological  repetition  and  antonymy  in  its  two  types,  opposition  and  antithesis  .