بطاقة شخصية
الاسم : د. مؤيد عبد الستار  ، كردي عراقي ولد في مدينة الكوت عام 1948 ، درس ببغداد والهند والسويد ،وعمل في العراق والجزائر وليبيا والسويد
اضطر الى مغادرة وطنه العراق عام 1979 م الى الهند ، اقام هناك ست سنوات  .
غادر بعدها الى الجزائر عام 1984 م وعمل في جامعة تيزي وزو ، ثم غادر الى ليبيا وعمل في جامعة ناصر بطرابلس  عام 1988 لغاية 1990 م.
هاجر الى السويد عام 1990م .
عضو نادي الكتاب السويدي

 

الكوت موطن الشعب الكوتي
د. مؤيد عبد الستار


ان اسم جبل الجودي الذي ورد في القرآن الكريم وثيق القرابة باسم الكوتي ، ولذلك ارجح ان يكون هو جبل الكوتي ، نسبة إلى الكوتيين الكرد ، ولهذا أيضا اعتقد ان تسمية الكوت ، المدينة الواقعة على نهر دجلة جنوب العراق ، والقريبة من جبل بشتكوه ، تعود إلى الشعب الكوتي ، الكردي. ولما لم يجد البعض تفسيرا ملائما لاسمها في العربية ، راح يرجعها إلى جذور هندية أو غير ذلك .وقد جاء في المصادر التاريخية ، ان الجوتو ، أو الكوتو ، أو الكوتي هم أصل أكراد الشمال والجنوب ، وأن قبيلة الكلهور الكردية الفيلية ، التي تعيش في ايلام ، بين ايران والعراق ، تذهب الى انها من جودرز ، ومعنى كلمة جودرز زعيم الجوتو ، كما ان قبيلة الجوران ( قبائل من الكورد الفيلين في ايلام، وهم الذين ساهموا في تشييد مدينة الحلة وكانوا الجيش الذي جاء مع بني مزيد ( قبائل عربية )، رحلوا الى منطقة بابل وشيدوا مدينة الحلة ، ومازال للجوران حي في مدينة الحلة يسمى باسمهم ، والجوران ينتسبون الى جودرز بن كيو ، وهو والد القائد ( رحام ) الذي ارسله بهمن لتخريب مدينة بيت المقدس ، والقائد رحام هو المعروف باسم نبوخذ نصر ، الذي تولى العرش وسمي الملوك من سلالته بالجوران ، وقد وجدت له نقوش في قصر شيرين .( راجع الاكراد ،أحمد تاج الدين، ص 16 ، القاهرة)
كما ان تسمية الكوتي أو الكورتي ( الكوردي) تطلق على قسم من الاكراد الذين حكموا سومر واكد مدة طويلة وان الجيش الكوتي هو الذي هزم نارام سين وحكم الكوتيون حتى القرن الخامس عشر قبل الميلاد.
 

*****

سـجن الكوت

د . مؤيد عبد الستار

 

لا يملك المرء أحيانا إلا أن يستعيد ذكرى بعض من يعرفهم ، والعجيب في الذكريات انها تزداد ازدحاما في رأسي كلما اتسعت المسافات بيني وبين تلك المدينة الصغيرة التي سقط رأسي فوق  بساطها ذات صيف . ولطالما سألت نفسي بصوت عال عن سبب ذلك ، فتهتز  طبلة أذني لصفير يهمس فيها مرددا وشوشة لا أتبين كلماتها ، وأردد قائلا إن الأحداث المتشابهة تلد تلك الذكريات لان ما يجرى اليوم شبيه بما كان يجرى بالأمس ، في تلك السنوات التي كنا ننام فيها وحكايات الطنطل و السعلاة تنام معنا على وسادة واحدة ، أيام كان الآباء ينظرون إلينا بإشفاق خوفا على مصائرنا التي لم تكن تنفع معها تمائم السيد علي، الرجل الوحيد في سوق مدينتنا الذي يستطيع درء كل الأمراض والأخطار بواسطة كتابة  بعض الآيات بحبر الزعفران، ورسم أشكال غريبة على ورقة مثلثة ، فتغلفها الأم بقطعة من قماش وتعلقها على أكتافنا ، ومع ذلك استطاعت العجوز المعصوبة الرأس أن تقول أمام حشد من النساء :

 الله لا يعطيه للسيد علي ويكسر رقبته ، لان حرزه لا ينفع أبداً.

إن ابنها الوحيد لم يتماثل للشفاء من الرمد الذي أتلف عينيه .

كان الخال هو الشخص الوحيد الذي يستطيع تمزيق تلك التمائم و إلقائها في نار المنقلة المتوهجة ويقول عنها إنها ترهات لا تنفع ولا تضر ، فتلطم الأم خدها المنير تحت وهج الفانوس وتسرع إلى نثر حفنة من البخور على النار ليتصاعد دخان أبيض عطري ، فتتمتم :

  ما شاء الله …  الله و أكبر ، يا دافع البلاء يا الله . وتضيف ملتفتة إلى الخال : ويلي عليك من غضب الملائكة الصالحين يا زنديق ...

وبعد شرب القليل من الشاي ولفافتين من التبغ تنهال شتائم الخال على الحكومة ، ثم يسرد لنا أخبار التظاهرات وإضراب السجناء ، فتقفز الجدة لتحمل سطل الماء وتهرع صاعدة  إلى سطح الدار لترمي ماءه في الزقاق وتتطلع باحثة عن خلف السري ، رجل الحكومة الذي يتلصص وينصت من وراء الجدران الطينية ليسمع ما يدور خلفها، ثم لا تلبث عائدة محذرة مدمدمة :

خلف هذا الحية المسمومة ابن الـ …

رغم كل تلك الذكريات تبقى الذاكرة تتساءل : ترى كم كان يبعد السجن عن دار الجد العتيدة  ؟ ذلك السجن الذي كان الخال يسميه فندق الفقراء ، والذي عرف بنزلائه الأشداء الذين تحدوا الحكومة وأعلنوا إضرابهم الشهير ، السجن الذي حل فيه ذلك الرجل الذي صعد المشنقة لأنه كان يريد إسقاط الحكومة يوم كان الكثير من الناس لا يستطيعون فك رموز رسالة يأتيهم بها حميد البوسطجي ...

واه .. أيتها الجدران ،كم كان سهلا اقتحامك وإطلاق سراحه ومن معه من السجناء ، ولكن آخ  وألف آخ ... ماكو قيادة .

ثم حل ذلك المساء الذي لا يستطيع الرجل نسيانه والذي يطل بين آونة وأخرى يرتسم واضحا بشدة أمامه فينظر إلى السماء ليتذكر تلك السنوات حين كان ينظر إلى الأفق بحثا عن هلال العيد الذي اختفى في السماء وعصى على الرؤية .سماء أرجوانية زادها غبار الصيف احمرارا ، يالها من سماء أخاذة...حمرة قانية وصفرة شاحبة:

ـ لم تبدو السماء هكذا يا جدتي ؟ ألا يستطيع الله أن يجعلها اكثر صفاء كي نرى هلاله ونحتفل بالعيد غدا ؟

أتاني صوتها الواهن والذي لا يخلو من رنين حاد :

ـ إنها حمراء بابني لانهم قتلوا الأبرياء في ذلك السجن الكبير وتلك هي دماؤهم تنتشر في السماء وتصبغها بهذا اللون الأحمر .

لم أستطع فهم ما تقول ، وبقيت أحدق في السماء بحثا عن هلال العيد كي أرتدي الدشداشة الجديدة التي أتتني بها خالتي ، ولكن لغز الدماء ظل يحيرني .. إذ كيف تنتشر في السماء وأية سيارة رش تستطيع رفعها ورشها في هذا الأفق المترامي الذي يخفي هلال العيد ؟

اليوم وأنا أستعيد تلك الأحداث وأرقب الأفق الأرجواني أرى الأيام تعيد نفسها وأذكر آخر ما دار بيني وبين خالي من حوار :

ـ لماذا قتلوا السجناء   ؟

ـ لانهم يريدون إسقاط الحكومة .

ـ وهل يستطيعون ..... ؟!