أنتوني كوين يبيع القهوة في الكوت
من عبد الجبار الصفراني
واسط ــ  أصوات العراق


فى الحى الصناعى فى مدينة الكوت، يوجد رجل يطلق عليه أهالى الحى"عمر المختار"،ليس بسبب أنه يشبه المناضل العربى الليبى المعروف (عمر المختار)، ولكنه شديد الشبه بالممثل العالمى أنتونى كوين الذى مثل هذه الشخصية فى السينما، فاعتقد الرجل وكذلك الأهالى وحتى أهله أنه شبيه (عمر المختار) فتقمص الرجل الدور، وظل يعيش فى الحى وهو منتشى بهذه التسمية.
هيئته ولباسه وملامحه تشبه "عمر المختار"،، السينمائى وليس التاريخى،، هو يعتقد أنه يشبه عمر المختار التاريخى بطباعه الأخرى ، ولكنه على أية حال سعيد بهذا الاسم الذي يلازمه أينما حل، ويرى فيه نكهة يعتز بها عندما ينادى عليه أثناء عمله الذي لا يتعدى "بيع القهوة" على زبائن تعودوا علي قهوته يوميا.
إسمه الحقيقى (جبار درويش محمد) ، التقت به (أصوات العراق) المستقلة، قال عن نفسه "أنا من مواليد الكوت 1928، أسكن في شقة صغيرة ، متواضعة في المدينة مع عائلتي." واضاف "لا أملك غير ( دلة ) صغيرة وفنجانين لا أكثر، أعمل بصفة (دوارّ) أبيع القهوة التي أعدها بنفسي، واخترت منذ عدة سنوات الحي الصناعي في الكوت مكانا أدور فيه بين محل وآخر أسقي زبائني الذين لا يطيب يومهم دون شراب قهوتي التي تعودوا عليها."ويقول عن حكاية الشبه بينه وبين عمر المختار" نعم أنا أشبه كثيرا عمر المختار، ليس شكلا فقط ، وانما موقفا أيضا ، أنا قريب الشبه إلى المناضل العربي والثائر الكبير عمر المختار الذي قاوم الاستعمار الايطالى الذى غزا ليبيا عام 1911 ومني بخسائر كبيرة جراء المقاومة العنيفة التي أبداها الوطنيون الليبيون بقيادة البطل الكبير عمر المختار
أضاف "سبق وان شاركت أنا مع نخبة من جنود العراق في حرب فلسطين عام 1948 في طولكرم حيث كنت ضمن فوج المخابرة."
وعن عمله الحالى قال"حاليا أنا دوّار أبيع القهوة رغم حالتي الصحية المتردية واكسب منها رزقى بعد أن أحلت على التقاعد عام 1970."
وتابع "كنت موظفا بسيطا في البلدية (قارئ مقاييس) وأنا سعيد جدا بعملي، واحب أن أشاهد كثيرا شريط عمر المختار الذي شاهدته مرة واحدة، لأن هذا الرجل رمز وطني وقومي كبير مناضل معروف في التصدي للمستعمرين."
وإستهوى الرجل بعد ذلك أن يتحدث عن مهنته ، القهوة وقوانيها وأعرافها ، فقال"هناك قانون خاص لتقديمها، فمثلا لا يجوز للضيف أو الزبون استقبال الفنجان باليد اليسرى من ساقي القهوة (الكهوجي) ،كما لا يسمح للأخير إعادة ما هو موجود في الفنجان إلى الدلة ، وعند شرب القهوة لابد من أن يحرك الضيف أو الزبون الفنجان بيده عندما يعيده إلى ساقيها، هذا إذا اكتفى منها، أما إذا كان يريد المزيد فيعيطه للساقي دون تحريك ليعيد الكره له ،وهكذا . وزاد "إذا ماوضع الضيف الفنجان أمامه بعد أن تناوله من ساقي القهوة ولم يشربه، ذلك يعني أن هناك ثمة مشكلة يريد طرحها أمام الجالسين في ( المضيف )، وهنا لا يشرب ما لم يسمع كلمة ( ابشر ) من صاحب المضيف أو أكبر الموجودين وجاهة ،بمعنى أن الأمر الذي تطلبه وافقنا عليه."
واستكمل جبار درويش أو (عمر المختار) حديثه قائلا" لابد أن يكون ساقي القهوة على قدر كبير بمعرفة الشخصيات الموجودة في المضيف لان تقديم القهوة يبدأ بالشخص العلوي(السيد) الذي ينتمي إلى الأسرة الهاشمية، وان لم هناك (سيد ) فيكون شيخ القبيلة أو الوجه الاجتماعي هو من تقدم له القهوة أولا
وأورد مثلا شعبيا يقول (الشاي كص والكهوة خص) ، وهو مثل شائع في العراق، أي أن تقديم الشاي يكون حسب تسلسل الجالسين بينما القهوة تخص في تقديمها العمدة ومنه إلى الآخرين تباعا.
وعن الأدوات التي يستخدمها قال "هناك ما يسمى ( المقلاة ) والبعض يسميها (المحمصة) والهاون والماشة، فالأولى ما يشبه الإناء العريض توضع فيه حبات القهوة ويوضع على النار لقلي الحبات التي عادة ما تقلب بواسطة (الماشة) وهي ملعقة طويلة بينما تدق أو تطحن بواسطة الهاون بعد أن تكون حمصت تماما.
وأضاف "الهاون يصنع من النحاس، وهناك أيضا ( القمقم )، ويطلق عليه أهل البادية (الكمكم)، وهو عبارة عن دلة لكنها كبيرة الحجم لعمل القهوة وتصفيتها بواسطة إناء آخر يسمى(الشربت)، ويكمل الإبريق هذه الأدوات قبل أن تتم تصفية القهوة من الرواسب الثقيلة الناجمة عن البذور غير المحمصة كليا ثم الدلة التي توضع فيها القهوة المهيأة للشراب وهي عادة تصنع من النحاس.
ومن خلال تجربته الطويلة مع القهوة وقوانينها، أوضح جبار درويش "هناك طريقة يستخدمها شيخ العشيرة أو عمدة البلد لجمع أفراد عشيرة في أمر هام، وهي أن عليه أن يطرق الهاون بطرقات مختلفة ، فلكل منها معنى خاص."
وأضاف" إذا كانت الطرقات متشابهة يعني ليس هناك أمرا مهم سوى الدعوة لشرب القهوة في دار الشيخ، أما إذا اختلفت الطرقات فالأمر مختلف هنا، وهى إشارة إلى وجود ضيف مهم يجب مقابلته بمظهر لائق."
لكن جبار درويش يقول"رغم تغيير الكثير من الثوابت والأعراف الآن، لكن الأعراف المتبعة في تقديم القهوة للضيوف أو للزبائن ما تزال راسخة مثلما رسخ الناس في ذهني كنية (عمر المختار) التي صار حتى أفراد عائلتي وأحفادي ينادوننىَ بها.