www.kalam.biz

 

 

 

حزن المسيح
على آلام خراف وادي الرافدين *


(ليست قصة)
 

محمود البياتي

القدس العربي

2011-12-28
 
 

 

 

في فترة اعياد الميلاد من عام 2001 مضيت مع سويديين وعرب الى كنيسة الكاثوليك الشرقيين في غوثنبرغ لنحتج ضد فرض امريكا عقوبات جائرة على العراق. جلست في آخر صف. لا احد على يميني ولا على يساري. كنا نحو ستين شخصاً متناثرين داخل قاعة تتسع لمئات. تفحصت بتريث السقف العالي والزوايا والأعمدة والحيطان. كانت مزينة برسوم ومنحوتات وقناديل يبرز بينها لون الذهب. استقرت عيناي على صورة كبيرة للمسيح. تأملتها طويلا، تأملت العينين نصف المغمضتين، وفجأة رمش الجفنان. فكرت: يخيل لي هذا. انا منهك بسبب متابعتني انباء العراق التعيس.
دعانا الكاهن الى إيقاد شموع على مائدة قرب المذبحِ. تكوّن طابور من بضعة اشخاص. كنا ننصت خاشعين الى تراتيل التعاطف الانساني. توالت بعد ذلك كلمات تضامن قصيرة مركزة على 'الأذى البالغ الذي اصاب اطفال العراق' نتيجةَ عقوبات الأمم المتحدة. اوشك الكاهن على ختم القداس فسأل إن كان احد الحاضرين يرغب في التحدث. رغبت في التحدث عن استخدام امريكا مثقفي المعارضة العراقية للتشويش اعلامياً على جرائم عقوبات الحصار، لكني آثرت الانطواء على حزني فسكت. الا ان رفيقنا الشيوعي، المواظب على التحدث في التلفزيون والراديو والصحف، كما يفعل امثاله في ستوكهولم وبراغ وموسكو ودمشق ولندن وبيروت وباريس، نهض وتفوه بعبارة لا تتغير :
- نحن متألمون كذلك، طبعاً، لمعاناة شعبنا تحت العقوبات (انتظرت ان يقول 'ولكن' فقالها) ولكن ... المسؤول عن هذه العقوبات هو صدام حسين، الفاشي، الذي لا يؤمن بتعدد الآراء ولا بانتخابات حرة، كما هو الحال في السويد ...
ربما نجح الرفيق في حرف السهم قيدَ شعرةٍ عن هدف القداس، وهو: فضحُ دور امريكا في تجويع شعبنا تمهيداً لغزوه. وحالما جلس منفوخ الرئتين والاوداج، التفتُ الى صورة المسيح، فرأيته يتململ ويقوم من الصليب. قام فعلاً؛ تمطى وخرج من اطار الصورة وهبط برداء ملطخ بالدم الى المنبر. سيدة عجوز شقراء كانت تشارك في التراتيل والعزف على الأرغون اغمي عليها من الرهبة. وسجد الكاهن على الارض، بينما قال المسيح بصوت دافئ:
- الحق الحق اقول لكم انني مرتبك وحزين وخجلان.
نهض الكاهن، وقف محني الرأس مكتوف اليدين. اعقب المسيح وهو ينظر في عيون الحاضرين الملأى بالدموع والفضول الصارخ:
ـ كنت اتابع من بيت ابي في السماء آلام خرافي على ارض الرافدين ...
وكأن القدرة على الكلام تعطلت، فتنفس بعمق وعاد الى حيث كان؛ دخل الصورة، بمساعدة الكاهن، وهجع داخل الاطار على الصليب. رأيت العجوز الشقراء تفيق من غيبوبتها وتبدأ في هدهدة طفل من قماش اسود بين ذراعيها: دللول دللول يا بني دللول، عدوك عليل وساكن الجول
(1)
تملكني احساس موجع بالظلم؛ بمرارة العجز عن انقاذ العراق. سألت الكاهن وانا اتهيأ لمغادرة الكنيسة:
- يا ابانا، ايقوم المسيح من الصليب ويتحدث في كل قداس؟
قال الكاهن وهو يوقد شموعاً بيضاء على مائدة مستديرة:
- نعم. عندما يحتاج احد اليائسين بقوة الى من يسنده .
 

---


* هذا النص مهدى الى احسان وافكار، اعياد ونهلة، في ذكرى مقاومتنا العنيدة لعقوبات الحصار والحرب على العراق.
(1) دللول: ترنيمة ترددها الامهات العراقيات في صيغ كهذه منذ عهد سومر لتنويم اطفالهن. الجول: الخلاء. وجيمها يلفظ كالجيم الفارسية .
 

 

 
 

www.kalam.biz